التعليمقضايا الوطن

لماذا نُعلّم؟ إصلاح فلسفـة التعـــليم

القبس-19 سبتمبر2026م

كفّى ووفّى الزميل محمد البغلي، في إشارته للمقابلة التي أجراها وزير التربية في لقائه مع جريدة الجريدة، حيث قدّم للوزير نصيحة ذهبية حول خطة إصلاح التعليم، الزميل البغلي علّق على كلام الوزير حول إنجاز الوزارة لـ80 في المئة من الخطة بكونه استعجالاً غير مفهوم، وبأن مسائل تقييم العمل التنفيذي واستعجال إنجازه يُعدان من أبرز مشكلات قياس كفاءة أعمال العديد من الوزارات، لا وزارة التربية فقط، وأنه لا يستقيم أن تكون الجهة التي تُعد الخطة هي نفسها التي تنفّذها، وهي أيضاً ذاتها التي تُقيّم نتائجها. وكلام البغلي هنا يعكس خللًا تعاني منه معظم وزارات الدولة، لكنه يكون مجهرياً حين يتعلّق الأمر بالتعليم، خاصة وأنه – أي التعليم – كان متميزاً في الكويت قبل أن يشهد انتكاسة قوية، وبالتحديد في المرحلة التي أعقبت الغزو، لذلك فإن أي دراسة أو خطة لا تعود بتحليلها وأرقامها الى أسباب ذلك التدهور، ستبقى تكراراً لكل الخطط الخمسية، التي كرّرها كل وزير مرّ على وزارة التربية، بدءاً بنظرية الهرم المقلوب، التي أتى بها الدكتور أحمد الربعي -رحمه الله-، وانتهاء بمشروع الوزير الحالي.
كلمة إصلاح أساساً لا تتماشى مع مفهوم التعليم كقيمة متحركة وديناميكية، فالتعليم بشكل عام ليس مشروعًا مرحليًا يبدأ بخطة وينتهي عندها، بل هو عملية مستمرة وتراكمية، وترتبط بحركة المجتمع من حولها وثقافته ومشروعه السياسي والثقافي والاجتماعي والفكري وغيره، فالمدرسة كمنشأة تعليمية لا تعمل في فراغ، بل هي مرتبطة وبشكل مباشر بمناخ وتوجّه ووعي المجتمع الذي يحتضنها، فالمقترحات التي ينادي بها التربويون حول ضرورة تحفيز التفكير الإبداعي والنقدي لدى الطالب، غالبًا ما يقمعها مجتمع يحظر التساؤل، ويُحفّز التبعية والانضباط في التفكير، والالتزام بمعايير المجتمع من حوله بثقافته وآرائه وقيمه ومعتقداته، ويرى أن أي خروج عنها هو تمرّد على المجتمع وتقاليده ومعايير السلوك والتفكير فيه.

فشل نظام المقررات، الذي بدأ العمل فيه عام 1979 – 1980 ليس لكونه كنظام تعليمي سيّئاً، وإنما لأنه كنظام اصطدم بقاعدة من الموروثات الاجتماعية والفكرية والثقافية، التي أدت إلى فشله، ومن ثم وقف العمل به عام 2005.

نظام المقررات كان قائمًا ومستوحى من النظام الأمريكي في تحصيل الدرجات، بما في ذلك حرية اختيار المواد والمعدّل التراكمي والمرونة في التخرّج، استطاع مثل هذا النظام التعليمي أن ينجح في أمريكا، وذلك لتوفّر حالة توافقية بين ثقافة المجتمع من جهة، وبين النظام التعليمي من جهة أخرى، لكنه أخفق في الكويت، لأن نظام المقررات كان يَفترض وجود طالب تعوّد منذ نشأته على حرية الاختيار وتحمّل المسؤولية، وداخل مناخ مدرسي يتمتع بالمرونة في التعامل مع الطلبة، وبرعاية معلمين يتحركون بمهنية مستقلة، وأهل، ومجتمع يُقر بحقوق كل هؤلاء، وسوق عمل يواكب مخرجات التعليم ويهضمها ويوظّفها.

ما ينطبق على فشل مشروع نظام المقررات ينطبق كذلك على كل مشاريعنا للنهوض بالتعليم، فأغلبها يعتني بالشكل أكثر من الإحاطة بجوهر المسألة هنا، ولعل السبب الأول الذي يتفق حوله أغلب التربويين انطلاقاً من تجاربهم الميدانية، أن كل محاولات النهوض بالتعليم لا تتناول فلسفة التعليم من أساسها، بمعنى أصح طَرْح سؤال جوهري هنا وهو «لماذا نُعلّم؟»، هل الهدف سد شواغر الوظائف في البلد، أم تلقين وتحفيظ الطلبة شروط المجتمع من حولهم؟ هل هو في بناء فرد بوعي مستقل وفكر مستنير وحر ومبدع، أم هو إعادة توطين وتدوير لما هو أصلاً مستقر في الوعي الجمعي؟

عملية التعليم هي عملية واسعة وشاملة، وهي أوسع من مجرد وزارة التربية، هي مسؤولية الأسرة والمجتمع والإعلام وكل مؤسسات الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى