العلوم والتكنولوجياقضايا الوطن

الذكاء الاصطناعي والغباء البشري

القبس-10 أكتوبر2026م

يُعتَبَر الإنسان أضعف المخلوقات بيولوجيًا، والضعف البيولوجي هنا يُقصَد به القدرة على التكيّف مع البيئة المحيطة به، فبحسب علماء الأحياء يأتي النبات في المرتبة الأولى من حيث القدرة على التكيّف والتأقلم مع محيطه، يليه الحيوان، وليأتي البشر في آخر القائمة. لكن البشر هم من سيطر على الأرض وتحكّم فيها، وفي مصير النبات كما الحيوان، ليس بحُكم تفوّقه البيولوجي، وإنما لقدرة الدماغ على تخزين المعلومة، ومن ثم استدعائها عند الحاجة، ومعالجتها وفقًا للضرورة؛ لذلك، وبفضل هذه الخاصية، أصبح للبشر تاريخ، واستطاعوا أن يستثمروا ذلك التاريخ ويعالجوه في سبيل دعم مستقبلهم وإثراء حاضرهم.
إذاً الذاكرة والقدرة على استرجاعها ومعالجتها وتطويرها هي ما جعلت البشر أسياد الأرض، وليس القوة أو التفوّق الجسماني.
مثل هذه الذاكرة أصبحت اليوم مهدّدة من قِبَل ذاكرة جديدة من صنع البشر، فالذكاء الاصطناعي اليوم أصبح يهدّد نفوذ وسُلطة الذاكرة البشرية التقليدية، وبشكل أشبه بأسطورة فرانكنشتاين، التي لا تتحدّث فقط عن صناعة وحش من أجزاء بشرية ميتة، وإنما تتناول في جوهرها كيف أن الإنسان صنع قوة وجد نفسه عاجزًا عن مواجهتها أو تحمّل مسؤولية صنعها، أي أنه صنع عدوًا له، ثم رفض تحمّل مسؤولية ما صنعه.
اليوم، يواجه البشر معضلة مشابهة لأسطورة فرانكنشتاين، فالذكاء الاصطناعي الذي طوّره العقل البشري قد ينقلب عليه في المستقبل القريب، خاصة أنه –الذكاء الاصطناعي– أصبح قادراً على تحليل كميات هائلة من المعلومات وبشكل يفوق قدرة البشر على ذلك، لكنه في المقابل لم يستطع أن يلغي صفات بشرية، مثل التطرّف والتعصّب وحب السلطة والجشع وغيرها، ما يجعلنا اليوم أمام معادلة معقّدة هنا، بين ذكاء اصطناعي حاد ومتطوّر وسريع وخارق ودقيق، وبين غباء بشري محدود ومحاصَر بانتماءات وغرائز بشرية، ما يجعل البشر اليوم في مواجهة مفارقة عجيبة بين أدوات صنعها، تزداد قوتها وحدة ذكائها وتفوّقها يوماً بعد يوم، وبين تراجع مخيف للحكمة البشرية التي صنعت تاريخ البشر وأمّنت وصولهم الى ما حقّقوه حتى اليوم.
لا يستطيع أحد، وبمن فيهم أولئك الذين صنعوا وطوّروا الذكاء الاصطناعي، أن يتنبأ بما قد يجلبه مثل هذا التحوّل في الأدوار على البشرية ومستقبلها، ولا أن يأتي برؤية واضحة تضمن خروجًا سالمًا من مأزق مثل هذا التحوّل الذي يصبح بعيداً كل يوم عن قدرة البشر على التحكّم به، ولا أن يضمن استخدامًا سليمًا وآمنًا لكل ما يطرحه الذكاء الاصطناعي، اليوم، من تحدّيات للذكاء والعقل البشري التقليدي.
لا يُنكر أحد قيمة التطوّر التكنولوجي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، في مجالات خدمَت البشر كالطب والدواء والمواصلات والاتصالات وغيرها، فالمشكلة هنا ليست في تطوّر الذكاء الاصطناعي، بل بما أصبح يُشكّله من تحدٍ ومواجهة مباشرة مع الذكاء البشري التقليدي، والذي أصبح يُصنّف بكونه غباء أمام ذكاء خارق بلا حدود ولا قيود.
والسؤال الأهم هنا هو عما اذا كان الذكاء الاصطناعي قادرا على صنع وإقامة حضارة ذات قيمة، مثل كل الحضارات التي عبرت بها البشرية، فالحضارة تعني تغليبًا للحكمة البشرية، والذكاء الفطري، والتحوّل في نمط التفكير، والحرية، والقدرة على التمييز بين الخير والشر، وبين القوة والعدالة، وبين المسؤولية والتهرّب، وغيرها من صفات لا يمكن اختزالها في آلة، مهما بلغت دقتها وتقنيتها.
التحدي القادم إذاً هو عما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُنافس أو يلغي الحكمة الفطرية عند البشر أو أن يحاكيها، عندها سيفقد البشر عنصرًا طالما ميّزهم عن غيرهم من الكائنات وجعلهم أسياد الأرض. فهل سيعزز الذكاء الاصطناعي تلك الميّزة البشرية، أم أنه يُكرّس ظاهرة الغباء البشري؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى