
قد تبدأ أي حرب بأهداف مُحدّدة ومُعلَنَة، لكن بالإمكان أن تتحوّل تدريجيًا عن تلك الأهداف مع تطوّر المعارك واختلاف الظروف، فعلى سبيل المثال لم تكن مسألة إسقاط أربع امبراطوريات، أو إعادة رسم الشرق الأوسط من أهداف الحرب العالمية الأولى، على الأقل ليس من ضمن الأهداف المُعلَنَة حينها، ولم يكن تعزيز نفوذ النظام الإيراني من أهداف غزو أمريكا للعراق في عام 2003، ولم يسع الاتحاد السوفيتي من وراء غزوه لأفغانستان عام 1979 لإشعال حرب استنزاف مرهقة وطويلة كانت من أسباب سقوطه وتفكّكه، فهنالك دائمًا نتائج غير مقصودة للحروب، قد لا يقل تأثيرها أهمية عن النتائج المقصودة في البداية.
تعرّضت دول الخليج لهجمات بصواريخ ومسيّرات من قبل النظام الإيراني بعد نصف ساعة فقط من هجوم أمريكي – إسرائيلي استهدفها في يوم 28 فبراير الماضي، وتتعرّض المملكة العربية السعودية هذا الشهر لهجمات استهدفت منشآت حيوية ومدنية؛ ما جعل الحرب التي بدأت بهدف أمريكي – إسرائيلي مُحدّد، وهو منع النظام الإيراني من الحصول على سلاح نووي، إلى حرب إقليمية جعلت دول الخليج في بؤرتها وليس على هامشها.
تعتبر الحرب العالمية الأولى أكبر دليل على كيفية تغيير الحرب لأهدافها الأولى، فالحرب التي بدأت بأزمة سياسية إثر اغتيال ولي عهد النمسا، تحوّلت الى حرب أوروبية شرسة تصاعدت فيها حدّة القتال والخسائر، وتوسّعت مع الوقت أهدافها وتغيّرت، ما يؤكد هنا حقيقة تاريخية تقول إن استمرار الحرب قد يخلق ظروفًا تتراجع قدرة الأطراف التي أشعلتها على التحكّم فيها أو معالجتها، وهو ما ينطبق على حرب أمريكا وإسرائيل ضد النظام في إيران، والتي بدأت من أهداف محدّدة، كإضعاف قدرات النظام عسكريًا ونوويًا مع إمكانية تغييره، لتصبح حرب استنزاف وصراعًا على ممرات حيوية، ومعابر تجارية، وإشعال فتن طائفية وصراعات عرقية قد يصعب إخمادها.
إذًا، الحرب التي بدأت بهدف مُحدّد، وهو منع النظام الإيراني من الحصول على سلاح نووي، تشعّبت لتشمل حماية دول الخليج، وتأمين الملاحة، والحفاظ على مضيق هرمز مفتوحاً وآمنًا، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر، والمحافظة على خطوط إمدادات النفط والغاز، ومضاعفة التحالفات العسكرية والسياسية، ودخول أطراف دولية، لم يكن دخولها واردًا، والتداعيات الاقتصادية والأمنية التي طالت أوروبا وأمريكا، مع التحوّل الذي أصاب أمن الطاقة وجعله قضية أمن عالمي مشترك.
السؤال الحتمي لما يتعلق بدول الخليج إثر هذه الحرب، خاصة بعد أن أصبحت في بؤرتها لا على هامشها، يتعلّق بمدى احتمالية التغيير في استراتيجياتها لما بعد الحرب، وعما إذا كان ذلك يعني الخروج بخليج أكثر تسلّحًا واستعدادًا أمنيًا بدلًا من تفوق اقتصادي وتكنولوجي.
منذ بداية حرب أمريكا وإسرائيل على النظام الإيراني ودول الخليج تُكرّر رفضها للحرب، وتُعلن مراراً عدم مشاركتها فيها، ولكن ذلك لم يمنع الضربات والصواريخ والمسيّرات من استهدافها منذ بداية الحرب، فدول الخليج تستطيع اتخاذ قرار سياسي برفض الحرب هنا، لكنها لا تستطيع تغيير موقعها الجغرافي أو إلغاء إطلالتها على مضيق هرمز، فالجغرافيا أحياناً تحكم وتؤثر، ربما كما القرارات العسكرية والسياسية، حدث ذلك مع بلجيكا ابان الحرب العالمية الأولى حين أعلنت حيادها، لكن موقعها الجغرافي بين المانيا وفرنسا جعلها جزءاً من الحسابات العسكرية الألمانية.
لن يحفظ الخليج إلا تكاتفه، ولن تصون سيادته إلا وحدة موقفه، وهذه الحرب ربما علّمتنا ضرورة ألا نبقى عرضة لتوازنات في المنطقة، بل أن نكون عاملًا حيويًا في صناعة مثل هذه التوازنات، خاصة بعد أن أصبحنا في بؤرة الحرب لا على هامشها.




