
بالرغم من أن الإنسان يملك ذاكرة تاريخية ميّزته عن سائر المخلوقات، إلا أنه غالبًا ما يخفق في استثمار هذه الذاكرة، يحدث ذلك معنا جميعًا، وكل يوم، وعلى المستوى الشخصي، حيث نكرّر أخطاء الآخرين، وكما لو أن ظروفنا ستكون مختلفة، حتى أصبح التاريخ شبه مكرّر لأمم سقطت، وإمبراطوريات انهارت، ودولًا تفكّكت، وحروبًا عبثية اشتعلت.
قد لا يكون انهيار الإمبراطورية الرومانية مطابقًا في تفاصيله لانهيار الأندلس، لكن كانت هنالك محطات تشابه كان بالإمكان القياس عليها، فالتفكّك السياسي، والصراعات الداخلية، والاستعانة بقوى أجنبية، واختلال موازين القوى، كلها جاءت لتُشكّل عوامل أساسية في انهيار الإمبراطورية الرومانية، تكرّرت المشاهد والظروف مع عرب الأندلس لكن الدروس لم يتم استيعابها لتفاديها.
اعتقَد العالم أن الحرب العالمية الأولى 1914، ستكون قصيرة، لكن سباق التسلّح حينها، والتنافس الاستعماري، وتشابك المصالح العسكرية والسياسية، أدّى الى استمرار الحرب لأربعة أعوام بخسائر بشرية هائلة، ومع ذلك لم يتعلّم العالم درسًا من التاريخ، بل يكرّره بكل تفاصيله، فعلى الرغم من أن صعود هتلر، وإعادة تسلُّح ألمانيا، والتوسّع النازي الذي سبق الحرب العالمية الثانية، كلها لم تكن أسرارًا خفية، إلا أن الحرب العالمية الثانية (1939) سرعان ما اشتعلت مسبِّبة خسائر في الأرواح والأموال والمستقبل أكبر بكثير مما أحدثته الحرب الأولى.
التاريخ كما نقول يعيد نفسه، لكن المشكلة لا تكون في هكذا إعادة، بل في يقين الإنسان بأن دروس التاريخ هي دروس للآخرين، وليس له؛ وبالتالي يقع هنا في وهم الاستثناء، وإلا لماذا لم يتّعظ هتلر مثلًا من أخطاء موسوليني، ولماذا لم ير القذافي في مصير صدام حسين رسالة تحذير، بل لماذا جميعنا نكرّر يوميًا أخطاء الآخرين، ونعتبر أننا سنكون حالة الاستثناء من عواقب تلك الأخطاء.
الحرب التي بدأت من غزة وجنوبي لبنان، ثم امتدت الى كل دول الشرق الأوسط بما في ذلك دول الخليج، تشبه إلى حد كبير، خاصة في تفاصيل ما قبلها وما بعدها، تلك التي حدثت إبان الحرب العالمية الثانية، فهنالك تشابه في التراكمات التي أدّت إلى كلتا الحربين، ففي الحرب الثانية بدأت الحروب محلية، قبل أن تتّسع دوليًا، ثم تواصلت المخاطر حين بدأت التسويات الدبلوماسية في الفشل، ومعها تشكّلت التكتّلات استعداداً للحرب، التي تحوّلت فيما بعد، ومع تصاعد حدّتها، إلى حرب اقتصادية ساد فيها الكساد العالم كله، مما زعزع الاستقرار السياسي والمالي، حدث ذلك في أجواء كان فيها سباق التسلّح على أشدّه، مع تراجع فعالية النظام الدولي عن كبح جماح الانهيار والدمار.
وبالرغم من كل تلك المخاطر، تعود التراكمات نفسها اليوم، سواء في حرب أوكرانيا أو في حرب الشرق الأوسط، مع تزايد التداعيات الدولية نتيجة تراكمات أزمات إقليمية أصبحت تهدّد العالم بأسره.
إن مأساة العالم مع الحروب لا تكمن في عدم توقّعها، فجميعنا نتوقّع أن تشتعل حربًا ما في بقعة ما، لكن المأساة هنا تكمن في اعتقاد العالم أن حروب اليوم، وبخلاف حروب الأمس، قابلة للاحتواء، وأن القدرة على التحكّم في تداعياتها ومخاطرها أكبر اليوم عنها إبان الحرب العالمية الثانية، فكل الأطراف اليوم تتصوّر بأنها قادرة على التصعيد والاحتواء في آن واحد، في مفارَقَة أثبت التاريخ عدم منطقيتها.
قد يكون الزمن مختلفًا اليوم، وهذا صحيح إلى حد ما، لكن الخطر يكون مضاعفًا حين يتم الخلط بين اختلاف الظروف، وغياب المخاطر، أو أن التاريخ سيتكرّر، لكن العالم أذكى من أن يكرّر أخطاء التاريخ.
مقدّمات الحروب والكوارث أهم من تداعياتها، فالمقدّمات لا تبدو كارثية كما الحروب، لكنها أهم بكثير من حيث إنها هي التي أشعلتها، ومشكلة الإنسان الكبرى هنا حين يُدرك مقدّمات الكارثة، لكنه يرفض أن يغيّر مساره؛ لأنه يرى في مساره هذا استثناءً، نرى ذلك كل يوم، وفي جميع تفاصيل الحرب الدائرة في منطقتنا حاليًا.



