
في الرابع من ديسمبر عام 2024، قُتِل رئيس تنفيذي لإحدى شركات التأمين الصحي أمام فندق هيلتون في وسط مانهاتن، بعد أيام تم القبض على الشاب لويجيني مانجيوني، الذي اعترف فيما بعد بقيامه بقتل الرئيس التنفيذي.
المثير في القضية هنا أن لويجيني قد جاء من خلفية اجتماعية ميسورة الحال، فهو خريج جامعة مرموقة، ولم يكن ينطبق عليه النموذج التقليدي للشخص المدفوع بالفقر أو باليأس الاقتصادي لارتكاب جريمته.
أخذت قضية مقتل الرئيس التنفيذي لشركة التأمين الصحي، فيما بعد، بعداً إعلامياً واجتماعياً، حيث جاء التعاطف مع لويجيني عبر منصات التواصل كبيراً، وكانت الحادثة قد تزامنت مع غضب أمريكي كبير من شركات التأمين الصحي، خاصة ما يتعلق منها بارتفاع التكاليف وبيروقراطية الإجراءات ومشاكل أخرى، ولتتحول فيما بعد قضية لويجيني لتصبح نقاشاً مفتوحاً حول النظام الرأسمالي وعدم المساواة، وربط ذلك بالرعاية الصحية، وبالطبع التأمين الصحي.
عبر التاريخ كانت مسألة التفاوت الطبقي قضية تُثار عند كل حادثة يتجسّد فيها مثل هذا التفاوت، فأغلب الثورات حملت شعار تراكم الثروات الهائلة، مقابل الفقر أو تراجع الخدمات، وأصبحت الثورة ضد الأثرياء عنواناً بارزاً منذ الثورة الفرنسية وحتى جيل زد، الذي حمل شعار «اقتلوا الأثرياء»، في ردة فعل راديكالية تُعبّر عن غضب من تراكم الثروة والنفوذ لدى فئة صغيرة.
ليس كل صاحب ثروة ظالماً، ولا كل غني يتحمّل مسؤولية الخلل في بُنية المجتمع وتفاوت الدخل فيه، فالمشكلة ليست في ثراء البعض، بل في غياب الفرص أمام قطاعات كثيرة في المجتمع.
وهو بالتحديد ما أصبح العالم يشهده اليوم، حيث تحتكر الفرص والنفوذ والثروات فئة صغيرة جداً من المجتمع البشري، في الوقت الذي تسود العالم موجات جوع وفقر، تتراجع فيها مؤشرات العدالة في التوزيع والفرص والثروة.
الكل اليوم يتحدّث عن ثروة إيلون ماسك، التي شارفت التريليون دولار، والمشكلة هنا ليست في إيلون ماسك، ولا في حقه بجمع ثروته، وإنما بما أصبح يُشكّله ارتفاع حصته مقارنة بما يحصل عليه مئات الملايين من الناس، سواء في أمريكا أو في العالم.
والسؤال هنا عما إذا كان من حق إيلون ماسك أن يكون ثرياً، يقابله تساؤل عن حق المجتمع في أن يكون متجانساً إلى حد مقبول ومعقول.
فكما يحتاج اقتصاد أي دولة إلى أثرياء، يحتاج كذلك إلى طبقات أخرى تضمن التوازن، وتمنع الخلل، وتُرسّخ مفهوم عدالة التوزيع، وبشكل يضمن استقراراً نسبياً للجميع.
لا شك بأن التفاوت الكبير في الثروات لا يقتصر أثره على القدرة المالية فقط، بل يتجاوزها ليصبح قدرة على المعيشة بشكل أفضل، والتعليم بشكل جيد، والرعاية الصحية بصورة مميزة، بمعنى آخر من يملك الثروة يملك الحق في حياة أفضل وأكثر رفاهية واستقراراً، ومعها يصبح التفاوت هنا ليس تفاوتاً في الدخل فقط، بل في فرص الحياة بشكل عام.
موجة الاحتجاجات الرقمية، التي تبنّاها جيل زد وغيره من الأجيال الافتراضية، تدور في فلك هذه المشكلة.
فحين رفع جيل زد، وجيل ميمز وغيرهما شعار «اقتلوا الأثرياء»، لم يكونوا يقصدون القتل الفعلي، وكما فعل مانجيوني، وإنما في ضرورة إصلاح فجوة لم تحدث في التاريخ البشري، جعلت 99% من دخل العالم في قبضة أقل من 1% من سكان الأرض، في الوقت الذي تعاني فيه أغلبية سكان الأرض شحًا وظيفيًا، وقصورًا في التأمين الصحي، وضبابية في المستقبل الوظيفي.
اليوم، وفي ظل استيلاء ميزانيات الحروب والسلاح على الحصة الأكبر من الميزانيات، تصبح قضية التفاوت الطبقي واختلال ميزان العدالة في أغلب المجتمعات البشرية بارزة وخطيرة، والخوف كل الخوف من أن يتحوّل «اقتلوا الأثرياء» من شعار إلى فعل.
