
لا شك في أن الكثيرين تابعوا التحقيق الذي نشرته مجلة “سمرة” الصادرة عن دار “الوطن”، والذي استعرضت فيه قصصاً وروايات عن التحرش الجنسي في الجامعة، وعن محاولات بعض الأساتذة (الذئاب) على حد قول المجلة، في اقتناص وتصيد ضحاياهم من الطالبات.
التحقيق بحد ذاته مقزز، ليس بسبب ما ذكر من تفاصيل، وإنما لأنه يعتبر أسلوباً رخيصاً في الابتزاز والمساومة، لم نعهده من قبل في هذا الوطن!! فعلى الرغم من أننا لا نخلو من مشاحنات واختلافات تحدث كثيراً بين الصحافة من جهة وأي من مؤسسات الدولة من جهة أخرى، إلا أنها كانت دوماً مشاحنات في حدود الأعراف والأخلاق المعمول بها والمتداولة هنا، بل كثيراً ما كنا نفخر ونزهو بصحافة تتقن لغة الاختلاف وتترفع دوماً عن لغة ونهج الصحافة الصفراء والتي كثيراً ما كانت موضع نقد من أقلام كثيرة في صحافتنا المحلية!!
لا شك في أن مقياس التزام وصدق صحيفة ما، وما تتبناه من مشاكل، يكون الهدف من ورائها واضحاً وعاماً وشاملاً في مردوده وأثره، فذلك بالتأكيد هو ما يميز صحافة الرأي والمبدأ عن صحافة الإثارة والتشويش. ولا نتصور أن يكون الهدف الذي سعت إليه المجلة المذكورة من وراء تحقيقها عن الجامعة، هدفاً إصلاحياً خالصاً، خاصة أن مشاكل الجامعة والتي هي بحاجة حقيقية إلى أقلام وعقول تتبناها، معروفة ومتداولة، بل وبانتظار إثارة وتسليط ضوء عليها!!
إن الاستياء الذي أثاره تحقيق مجلة “سمرة” بشأن الجامعة والهيئة الأكاديمية فيها، ليس بسبب التفاصيل التي تناولها التحقيق بقدر ما هو استياء من روح التطرف والغلو في الطرح الذي خلا من أدنى درجات الموضوعية والتجرد، وهما مقياس معتمد للصحافة الحرة النزيهة!!
حاولت المجلة إضفاء صبغة علمية على تحقيقها، أو على حد تعبيرها، لكي يكون تحقيقها مبنياً على أكبر قدر من الحقائق، فقد قامت بعمل استبيان وزعته على عينة عشوائية من الطلبات، بلغ عددهن 220 طالبة. وقامت بسؤالهن عما إذا كن قد تعرضن أو سمعن عن طالبة تعرضت لتحرش جنسي من قبل أستاذ في الجامعة!! فكانت نتائج الاستبيان كالآتي: ٪43.6 اعترفن بوجود المشكلة، و٪16.8 أجبن بأنهن تعرضن للتحرش، و٪43.6 قلن بأنهن يعرفن طالبة تعرضت للمشكلة!!
المثير في استبيان مجلة “سمرة” لم يكن في النسب التي أعلنتها وإنما هو في استثناء ذلك الاستبيان (العلمي المجرد) لكلية الشريعة!! بحيث غطى استبيانها (الموضوعي الخالص) كل كليات الجامعة ما عدا كلية الشريعة!! وعلى ما يبدو أن واضعي الاستبيان والمجلة، يرون فيها كلية (عفيفة) فوق الشبهات والشكوك، ومنزهة عن الأخطاء والخطايا البشرية!! مما أفقد الاستبيان وطرح المجلة (العلمي) أدنى شروط وخصائص البحث العلمي الحقيقي.
لم يكن استثناء كلية الشريعة من حقل الألغام الذي حذرت منه المجلة، ولا أساتذتها وطالباتها من (حمى الذئاب الجامعية) مستغرباً ومستنكراً بل على العكس، لقد كان متوقعاً، لأن الأطراف التي هي وراء ذلك التشويه وتلك الإثارة الرديئة معروفون، ونواياهم وأهدافهم من وراء ذلك لا تخفى على الجسم الأكاديمي والإداري في الجامعة بشكل عام!! كذلك كان التوقيت الزمني لمثل هذه الإثارة متوقعاً، ومتفقاً مع توقيت مناقشة قانون الجامعة في مجلس الأمة، الذي يطالب فيه أعضاء هيئة التدريس باستقلالية الجامعة، وبحريات ومزايا لا يوفرها القانون المعمول به حالياً!! وهو ما سبق أن استنكرته مافيا التشويش حتى وإن كان في تلك الحريات ما يتعلق بالبحث العلمي المجرد!!
هنالك ولا شك حرب شرسة يقودها البعض، تضع في أولوياتها الجهاز التربوي والتعليمي بشكل عام، وتهدف أساساً إلى السيطرة على كل المؤسسات العلمية والتربوية في هذا الوطن، بدءاً بالمجلس الوطني للثقافة والفنون، وانتهاء برياض الأطفال، وإذا كان ذلك البعض يرى أن من حقه أن يستخدم ما يراه مناسباً من أساليب في حربه وتنافسه مع أطراف أخرى، فإنه قطعاً لا يملك الحق في أن يتسلح بسلاح (القذف) المنهي عنه دينياً وأخلاقياً، في سبيل تحقيق أهدافه وأغراضه!! ولا في أن يستند إلى شكوك تفتقر إلى أدنى درجات الأدلة والبراهين، ليسقط على ضوئها مشروعنا التعليمي التربوي، والذي ساهم فيه رجال ونساء لا تزال آثارهم باقية ببصماتها الناصعة!! فلن نتوانى أبداً في الذود عن إنجازنا التنموي هذا ولن نخضع لنزعات ذلك البعض، الذي أغفل على ما يبدو، وفي غمرة نشوته بنصر زائف، أننا مجتمع مسلم يدين بأخلاق الرسول محمد c ويرفض حكم التفرقة بين الناس إلا بالتقوى، فإذا كانت هنالك حقاً كارثة أخلاق جامعية، فمن الذي أعطى الحق باستثناء كلية الشريعة من ذلك (المنزلق الأخلاقي الخطير)! وأبقى جهازها التعليمي منزها عن خطايا أقرانه، وطالباتها بلا (ذئاب) تلاحقها!!؟
