
هل تجوز إدانة الكلمة حتى لو لم تصبح فعلاً؟ سؤال تم التطرّق إليه دائماً خاصة في المجتمعات التي يرتفع فيها منسوب الرقابة، وهنا قد يبرز أكثر من رأي فيما يتعلق بمثل هذا السؤال، فهنالك من يرى ضرورة إدانة الكلمة بكونها لا تتمتع بالحيادية، خاصة في حال احتوائها على تحريض على العنف أو دعوة للكراهية والتعصب أو ما شابه، لكن في المقابل هنالك من يرى أن إدانة الكلمة قد تتحول إلى نهج يتعارض مع حرية التفكير والرأي بشكل عام.
حاول المفكرون والكُتاب وأصحاب الرأي دائماً البحث في هذه المعادلة، بهدف الوصول إلى منطقة آمنة ومحايدة، لا تُعامَل فيها الكلمة بوصفها جريمة، ولا تُمنَح فيها حصانة مطلقة، فالحالة الأولى قد تعزّز الرقابة المُفرطة، والأخرى قد تقود إلى الفوضى، مثل هذه الجدلية ليست حديثة في نشأتها، بل كانت عنواناً لحالات من التاريخ حاول فيها الأدباء والمفكرون والشعراء تجاوز هذه الإشكالية، لم يصمتوا عن الإفصاح لكنهم غيّروا من طريقته وأسلوبه.
من أشهر ما ورد في التاريخ الأدبي حول كيفية تجاوز إدانة الكلمة، هو العمل الأدبي الفلسفي «كليلة ودمنة»، والذي يقوم كعمل على قصص رمزية بلسان الحيوانات تحمل إسقاطات سياسية واجتماعية وفكرية على الإنسان بشكل عام، في هذا التراث الأدبي الشهير حوارات «كليلة ودمنة»، وفي كل قصة يتم التطرّق لقضايا أخلاقية كالصدق والأمانة والوطنية والمسؤولية وغيرها، إضافة إلى قضايا سياسية كالفساد والرشوة والتملّق السياسي والاجتماعي، حتى تم تصنيف هذا العمل التراثي بكونه فناً وأسلوباً ذكياً في فن قول ما لا يُقال، أما قمة الإبداع فيه فهو في كونه نصاً وحكايات تحمي الحقيقة ولا تدينها مباشرة، بل يترك الباب مفتوحاً للقارئ الذي يُقيّم ويدين ويُعارض ويدافع.
أما في النص الفلسفي الشهير «حي بن يقظان» فيطرح واضعه، ابن طفيل، سؤالاً رمزياً أكثر تعقيداً من ذلك الذي ورد في «كليلة ودمنة»، فيتساءل عما إذا كان باستطاعة الإنسان أن يصل إلى الحقيقة وحده دون مُعلّم أو مجتمع أو نص ديني، وحيث تقوم فلسفةحي بن يقظانعلى فرضية أن الإنسان، وإن نشأ في بيئة أو جزيرة معزولة تماماً بلا لغة ولا ثقافة ولا مجتمع، فإنه قادر، ومن خلال التأمّل والعقل، أن يصيغ حقائق تتعلّق بالنفس البشرية وبقوانين الطبيعة وشروط التعايش ضمن إطار مجتمع له قوانينه ونظمه ومعتقداته، أما الحبكة الأهم في هذا النص فتظهر حين يلتقي حي بن يقظان عن طريق إحدى الشخصيات مجتمعاً بشرياً قائماً، ليكتشف أن الناس فيه يعتمدون على الرموز في التعبير عن الحقيقة، تلك الحقيقة التي توصّل هو إليها عبر تجربة داخلية، ولنصل بذلك إلى خلاصة أن «حي بن يقظان» ليست قصة رجل عاش في جزيرة، بل جوهراً لتجربة ذاتية تقول إن العقل يمكنه أن يصل إلى الحقيقة، لكنه لن يستطيع أن ينقلها بالكلمة وحدها إلى الناس.
في حالة «كليلة ودمنة»، هنالك احتمال أن تُدان الكلمة، لذلك وجب أن تقول ما تريد عبر الرمزية والتخفّي، بينما في حالة النص الفلسفي «حي بن يقظان»، فإن الكلمة أساساً بريئة، لأن الحقيقة كامنة وسبقت الكلمة.
يُقال إن التاريخ مملوء بالحوادث والحروب والصراعات التي سبّبتها الكلمة لا الرصاصة، لكن هل يعني ذلك بالضرورة إدانة مباشرة للكلمة، أم هي دعوة لضبطها دون قمعها.
الإجابة هنا تدخل في خانة الجدلية الفلسفية، لكن ذلك لا ينفي حقيقة أن حماية المجتمع لا تكون بالصمت أبداً، بل بتعدّد الكلمات، فأي مجتمع بشري يحتاج إلى حد أدنى من الضبط، وحدٍّ أعلى من الحرية، هذا هو صمام الأمان الذي يسمح بعبور الكلمة من دون أن تُحدِث ضرراً ولا أن تُشكّل خطراً يستدعي إدانتها، بل حاضناً دائماً ومستقراً للحقيقة.


