
الكتابة في زمن الحروب كالسير فوق حقل ألغام، لا يعرف الكاتب متى ولا أين يضع قدمه، ولا كيف تكون وجهته، ليست المسألة مرتبطة هنا بمواقف معينة، وإنما تعود في أساسها الى فِعْل الرقابة الذاتية والرقابة الخارجية، في الحروب يتم انتقاء الكلمات بدقة، حتى لا يُساء الفهم أو التأويل، فمثلما هنالك معارك شرسة في ساحات الحرب، تدور كذلك معارك في ساحة الرأي والكلمة، كعامل مُسيطر يعكس مناخاً مختلفاً وبيئة جديدة يصبح معها تشكيل الكلمة والرأي تحدياً.
في زمن الحروب تتنوع السرديات كتنوع الآراء، وتعاني مفاهيم ومصطلحات، كالمواطَنَة والانتماء والحقوق والحريات والحقيقة، وفق معادلة الـ«مع» أو الـ«ضد»، فتتضاعف مساحة التوجّس هنا من احتمال التشويه أو التأويل بشكل مخالف، لذلك قد يلجأ البعض الى الصمت في مواجهة الضبابية هنا، وتلك بحد ذاتها تشكّل خطرًا تراكميًا مستقبليًا.
نعم الحذر واجب عند الكتابة في زمن الحروب، لأن الصورة تكون ضبابية، والأجواء ساخنة، لذلك تصبح الكلمة مسؤولية مضاعَفَة في زمن الحروب، تتطلّب وعيًا وإدراكًا و تبصّرًا، فالحكمة تقتضي الاتزان وموازنة الأمور، لأن هنالك عدواً متربّصاً، وهنالك خشية من الانزلاق، لكن الحذر هنا لا يعني الصمت على الإطلاق، بل في السير فوق حقول الألغام، والبحث في المفردات والمواقف عن لغة وموقف شجاع يحمي الحقيقة، لكنه لا يزج بها في حلقة التأويل المّغرِض احياناً.
اليوم تتضاعف مسؤولية الرأي في زمن الحروب بفعل منصات التواصل وتكنولوجيا الاتصالات، التي قد يكون من الصعب السيطرة عليها أو ضبطها، فكاتب الرأي على سبيل المثال إبان الحروب القديمة، كالحرب العالمية الثانية، كان أبطأ حركة وتأثيرًا، وكان التفاعل معه مُتدرّجًا، وبحيث تقل حدة الانفعالية مع ما يثير من كلمة ورأي، اليوم تتم محاكمة الكلمة بشكل فوري، ومن جمهور ممتد بلا نهاية، وآراء متضاربة قد يفتقد أغلبها حكمة تقدير الموقف، لكن ذلك يجب ألا يعني أن الكلمة الصادقة والموقف الثابت قد ضاعا في ضجيج تكنولوجيا الرأي، فلا يزال هنالك متسع وآذان صاغية للكلمة الصادقة، وللمواقف الوطنية التي يمكن رؤيتها ولمسها وسماعها لمن يريد أن يسمع أو ينصت.
ولنا في تاريخ الحروب القديمة، وبالتحديدالحرب العالمية الثانية، أمثلة كثيرة عن كيفية صمود الرأي الحكيم في زمن ضجيج الحروب ونيرانها، فالكاتب المبدعجورج أوريل، صاحب كتاب مزرعة الحيوان ورواية 1984، كتب مقالات، مثل مقال «الأسد ووحيد القرن»، والذي يعد من أهم النصوص، التي كتبها خلال الحرب العالمية الثانية، حيث تساءل أورويل، وفي ذروة الخطر الذي كانت تواجهه بريطانيا، عن الدافع الذي يجعل بريطانيا تقاتل، وعما إذا كان بإمكانها أن تنتصر دون أن تغيّر نفسها من الداخل، وانتقد في المقال هيمنة النخب على الاقتصاد والسياسة، وعن غياب العدالة الاجتماعية والتفاوت الطبقي فيها آنذاك.
أما البيركامو فقد كان نشطاً في صحف المقاومة الفرنسية السرية، حيث كان يرى في الرأي فِعْل مقاومة مباشراً، ودعا في كتاباته الى الحرية ورفض الاحتلال النازي، لكن ذلك لم يمنع أنه كان حذرًا في فِعْل المقاومة هذا خشية الاعتقال أو الإعدام.
نشط كتّاب الرأي إبان الحرب العالمية الثانية في أوروبا، لكنهم كانوا ملتزمين بخطوط عامة، يفرضها آنذاك أمن بلادهم، وظروف الحرب بشكل عام وضبابية المشاهد من حولهم.
الحرب بشكل عام هي حالة استثنائية، يلعب فيها كاتب الرأي دورًا أساسيًا في إعادة تشكيل وصياغة الواقع، ولكن بإتقان وحذر، ومن دون أن يتخلى عن مسؤوليته في المساءلة، وفي البحث عن الحقيقة بنزاهة وحياد، فيكون كاتب الرأي فيها كالمناور، الذي يسعى للموازنة بين الصدق والسلامة، لكنه يبقى شاهدًا وضميرًا حيًا لا يُطلق الصوت تهورًا، بل بحكمة، يبقى أثرها الى ما بعد الحرب.


