الأرشيف

فساد القمة

[جريدة القبس 3/2/1993]

كان عهد الخليفة الفاروق “عمر بن الخطاب” من أنصع ما خطته حضارة الإسلام عبر تاريخها الطويل.. فقد اتسم عهده بالعدل السياسي والاجتماعي معاً.. وبالاستقرار والأمن اللذين ساهما في امتداد حدود الإسلام مع تزايد الفتوحات. فقد حكم عمر G وعدل فنام… وكما جاء على لسانه يوم سأله أحد حكام فارس عن سر الطمأنينة التي يتحلى بها.. وهو خليفة هذه الدولة الوليدة الشاسعة الأطراف.
حكمة عمر أجَلَّ من أن تحصى.. وعدله أكبر من أن يوصف.. إلا أن قراره الذي اتخذه بشأن ولاية الأمصار والمدن الإسلامية.. هو القرار الذي ضمن الجانب الأكبر من الاستقرار في عهده.. وهو القرار الذي إن دلَّ على شيء فإنما يدل على بُعد نظر وحنكة سياسية.. يعجز كثير من قادة عصرنا هذا على الإتيان بمثلها. فقد كان عمر يعمد إلى عزل ولاته بعد أن يمضوا مدة ولاية حددها غالباً بسنتين. فقد كان يخشى أن مدة الولاية إذا ما جاوزت ذلك فإنها تتيح لذوي النفوس الضعيفة استغلال مناصبهم.. والإثراء من ورائها. أو أن يصيبهم الغرور بما أصبحوا فيه من مكانة ووجاهة.. ويتعالوا على غيرهم من المسلمين.. فيؤثروا منافعهم الخاصة على منافع المسلمين العامة. لذلك فقد عزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد وهو في قمة أوجه وعطائه خوفاً عليه من فتنة المنصب والنجاح. فقد كان عمر يرى أن ولاية الأمصار تكليف برعاية شؤون المسلمين والاهتمام بأمورهم… ولا يجوز للوالي بأي شكل الإثراء من وراء ذلك التكليف. ولقد خالف عثمان بن عفان ذلك النهج الذي اتبعه عمر وأرساه.. فمكن معاوية بن أبي سفيان من الشام… فجاءت بذور الفتنة الكبرى التي قسمت المسلمين في عهد علي بن أبي طالب إلى شيع وطوائف.
تلك كانت ومضة من عهد عمر الفاروق.. وذلك كان نهج الساسة وحكمتهم في تلك الفترة المضيئة من تاريخنا العربي الإسلامي. ولكن إلى أي مدى كان اتقاننا لقراءة التاريخ وإلى أي حد جاء استقراؤنا لدروسه وعبره.. بحثاً في طياته عن شروط الاستقرار التي يتطلبها بناء المجتمعات!!؟
إنها ليست دعوة لتصفح تاريخنا السياسي العربي.. ولا للتمعن فيه.. فتلك مهمة تطول. ولكن يكفينا أن نجيل النظر في تاريخ الوطن الحديث.. وهي مهمة يسيرة.. لنرى كم نحن بحاجة الآن لمثل عمر، ولعدله الاجتماعي.. وحنكته السياسية. فلو أننا تصفحنا الوجوه التي تربعت على إدارة شؤون الوطن.. وفي كافة المجالات.. لهالنا كثرة ترددها وتكرارها.. وإصرارها على الاستمرار والبقاء.. ولن نذهب بعيداً فبنظرة سريعة لزاوية “من قديم الكويت “التي تنشرها جريدة “القبس” يومياً.. سيجد المتتبع لتلك الصور من قديمنا.. إصراراً غريباً وشاذاً على تكرار ذات الوجوه. وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود.. تفاوتت أحداثها بين رحلة النزوح إلى خارج السور.. وكارثة غزو أغسطس المريرة. هي ذاتها الأسماء التي أشرفت على إدارة مصالح الوطن من ذلك الحين.. وهي نفسها التي تشرف الآن على كل شاردة وواردة من أمور الوطن وقضاياه.. هذا الاستمرار الذي هو قطعاً لا يعني كفاءة أكثر ولا قدرة أكبر.. وإلا ما كانت أمورنا تؤول إلى ما آلت إليه. فالقائمون على تلك المناصب بشر. وللبشر قدراته الضئيلة والمحدودة على الاستمرار في العطاء. وحتى على افتراض مشروعية الاستمرار تلك.. فالعطاء سيظل عقيماً ناقصاً لافتقاده عوامل التجديد والتي لا تأتي إلا بوجه ودماء جديدة، والملفت للانتباه هنا في زحمة هذا النفق من تكرار الوجوه.. أن تلك التي تسقط بعوامل الزمن.. تسلم الإرث إلى ابن أو حفيد أو أخ لتظل الدائرة ضيقة مغلقة… ويستمر الاحتكار لصالح البعض من الناس..
ويبقى عفن فضائح الإهمال والتسيب والسرقات.. في معزل عن البقية الباقية من أفراد الوطن، فلا عجب إذاً في ظل الديكتاتورية الإدارية في الوطن أن تتفشى عمليات التعدي على الأموال العامة.. ويستشري الفاسد… وتتصدر العلاقات والمصالح الشخصية كل القرارات الإدارية والقانونية.
إن الذين سرقوا مقدرات الوطن.. لم يقوموا بذلك الفعل المشين إلا عن طريق نفوذ أرسوه من خلال استمرار تواجدهم الأبدي في مراكزهم.. والذين عرقلوا كل محاولات الإصلاح الإداري لم يكونوا ليفعلوا ذلك.. لو لم يكن التسيب الإداري هو الأرض الخصبة التي ينمون ويعيشون فوقها.. ولو لم تكن ميزانيات خطط الإصلاح الخمسية وغيرها تدرُّ عليهم فوائد لا تحصى والذين جمدوا خطط تطوير التعليم وأساليبه.. ما كانوا ليستطيعوا ذلك لو لم تكن مناقصات التعليم الخاص وقفاً عليهم. كل هؤلاء.. لو أن فترات مناصبهم قد قُلصت… لما تمكنوا من بناء شبكات من النفوذ تلتهم كل من يعترض طريقها.. وكل ما يحول دون نفوذها.
إن المثير للدهشة والاستغراب.. إن تلك الوجوه القيادية الأبدية قد عاصرت وعلى مدى ثلاثة أو أربعة عقود مختلف المراحل التي عبرها الوطن.. فهي وجوه استطاعت أن تستمر في جو الكبت والحجز على الحريات.. واستطاعت أيضاً أن تستمر وبنفس الحضور في جو الديمقراطية والحرية وقد كان من الممكن أن يعنى ذلك قُدرة فائقة على الاستمرار والعطاء.. لو أن وجودها في ظل الظروف المتباينة التي مر بها الوطن قد جاء بأعمال ملموسة يعود أثرها على الوطن بوجه عام. إلا أن الجمود وضحالة العطاء كان هو القاعدة. وجاءت موجة فضائح السرقات لتحسم دهشتنا من استمرارها. فالبقاء في قمة الهرم القيادي له (حسناته) التي قد تكون غائبة عن المواطن العادي.
عمليات النصب وحالات الفساد والتسيب في الوطن.. لا يمكن أن تكون فردية.. إضافة إلى كونها عمليات تحتاج إلى نفوذ لا يأتي إلا بطول الإقامة في المنصب. إضافة إلى ذلك فإنَّ سلوك الفرد لا تحدده عوامل شخصيته ومعتقداته فقط.. وإنما تساهم فيه خصائص الظروف التي وجد فيها الفرد.. وظروف الوطن السائبة تفتح الباب على مصراعيه للمستفيدين من تردي الأوضاع وتعفن الجهازالإداري.. ليبقوا ويستمروا في قمة الهرم.
ما أحوجنا الآن وقد انعدمت الضمائر وفسدت الأخلاق لنزاهة عمر وسياسته الحكيمة. فلقد أدركها بالفطرة.. وهو الذي لم يُلم بعلوم الإدارة.. إنَّ تجديد الدماء.. هو الأسلوب الأمثل للتطوير والتغيير.. وهوالحصن الحصين ضد ازدياد النفوذ واحتكار المنفعة.. وبما يحجب النفع عن الجميع.. فيا أيها الباقون فوق قمة الهرم.. أما آن الأوان بعد أن تتدحدروا

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى