الأرشيف

الدكتاتورية الصحية

[جريدة القبس 14/4/2020]

تتابع الأعين بخوف يومياً، وتتسابق معها الأصابع بوجل ملاحقة منصات الأخبار اللامتناهية في عددها وكمها بحثاً عن خبر سار يزيح غمامة ليل الكورونا الطويل.
الخوف اليوم هو العامل الأبرز الذي أصبح طاغياً على كل مشاعر المتابعين لأخبار كورونا، وللخوف مراكز رصدها علماء الأعصاب والباحثون في كيفية عمل المخ وطبيعة استجابته للمؤثرات الخارجية.
يصنف العلماء فصوصاً عديدة في المخ، لكل منها وظيفة تعكس صفات ذات علاقة بالشخصية والوعي؛ فحين يتعلق الأمر بالخوف، فإن العلماء يصنفون منطقتين في المخ؛ إحداهما تسمى الفص اللوزي الذي عادة ما يكون مسؤولاً عن تحديد المحفزات التي يمكن أن تهدد الكائن الحي وتحليل المعلومات التي تشكل خطراً عليه، والأخرى يطلق عليها الفص الجبهي وهو المختص بالحركة والتخطيط والمنطق.
لا يقتصر الخوف على الإنسان، بل تشترك معه الحيوانات في ذلك، إلا أن ما يجعل خوف الإنسان مختلفاً هو في كونه هنا مرتبطاً بعملية الإدراك والتعلم، ومن هنا فقد يكون للخوف الذي ساد العالم وهو يواجه الكورونا تبعات وأبعاد قد تؤثر في حياة البشر بكل أوجهها، خوف من الفيروسات، وخوف من التلوث، وخوف من المصافحة، وغير ذلك من مخاوف، قد يكون منها ما هو منطقي، بينما قد يصل بعضها إلى خوف الهلع والرهاب اللامنطقي.
لقد صدق، وإلى حد كبير، أولئك الذين يرون أن عالماً مختلفاً سيأتي بعد الكورونا، وأن نظاماً عالمياً جديداً سيولد وسيكون فيه الناس أكثر انصياعاً للأوامر، وأكثر انضباطاً، لكنهم حتماً سيكونون أقل حرية! فإرشادات كورونا أصبحت تخبرنا كيف ومتى نغسل أيدينا، وتضع شروطاً للتواصل الاجتماعي، وتتدخل في أدق تفاصيل حياتنا، كل ذلك يحدث وبانصياع مطلق من كل الناس، باستثناء قليل ممن أصبحوا يستشعرون ثمن مثل هذا الانضباط العالمي.
في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر تذمر الكثير في الولايات المتحدة من الإجراءات الرقابية وأجهزة التنصت التي طالت كل شيء، حينها كان الخيار المطروح للناس بين أمرين: إما الحرية والخصوصية، أو الأمن! اليوم سيفرض فيروس كورونا خيارين محدودين للبشر كافة: إما الانضباط والانصياع المطلق للأوامر والإرشادات أو مخاطر انتشار الفيروس وما يشكله ذلك من تهديد مباشر على الصحة.
في ظل الظروف الراهنة لا أتصور أن أحداً يجزم باستعداده التخلي عن صحته في مقابل حريته، لكن السؤال هنا يتعلق بمستقبل مثل هذه الحالة من الدكتاتورية الصحية، ومدى انعكاسها على أمور أخرى قد لا ترتبط مباشرة بالصحة، ولكنها قد تصبح حالة بشرية وعادة من الانضباط والاستسلام المطلق للسلطة؛ صحية كانت أم سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية.
لقد تحول العالم اليوم إلى قرية كورونية واحدة، نتمنى ألا يستغلها البعض وبشكل إقصائي أو إلغائي وإنما أن يتم ترسيخ قيم التلاحم والتضامن المجتمعي الذي ساد العالم بشكل مثمر، بعيداً عن حساب الربح والخسارة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى