
بالرغم من الاستنكار الذي عبّر عنه البعض تجاه ما حدث في جلسة إقرار الميزانية العامة، يبقى ما حدث في رأي البعض الآخر جزءاً من المخاض نحو بنية مؤسسية قائمة على سلطة القوانين والتشريعات لا الأفراد. ما حدث ويحدث اليوم ومنذ تاريخ 5 ديسمبر الماضي، يوم الانتخابات الأخيرة، هو بالتأكيد خطوات بالاتجاه الصحيح، فما يحدث اليوم داخل قاعة عبدالله السالم هو بمنزلة فزعة شبابية نيابية للذّود عن الدستور وحق الرقابة البرلمانية والشعبية.
من الواضح أن هنالك محاولات غير مجهولة المنشأ، لبَثّ اليأس والإحباط في قلوب أهل الكويت، وبالتحديد الشباب منهم حول جدوى عمل مجلس الأمة، ومدى التزام النواب بقَسَمِهم وبدَورهم الرقابي والتشريعي، وإن كان هذا قد أصبح معلوماً لدى أغلبية كبيرة من الذين لم يلقَ مثل هذا الخطاب قبولاً لديهم، فكانت نتائج الانتخابات التكميلية في الدائرة الخامسة أقرب إلى الانفجار والإصرار.
قد لا يوجد حلال أو حرام في الصراع السياسي، فكلّ الأدوات متاحة ولجميع الأطراف، وإذا كانت الحكومة قد كسَبَت جولة بإقرارها الميزانية العامة على طريقة “السلق”، فإن الطرف الآخر وبخاصة الشباب قد أصبح يشحَذ قدراته للتعامل مع حالات مشابهة مستقبلاً، وبطبيعة الحال، فإن ما يُحدّد حجم الصراع السياسي يكمن في قيمة وحجم الهدف المقابِل، وكلما كان الهدف كبيراً ومهماًً، كان معه الصراع أكثر بروزاً ورسوخاً في يقين الطرف المعني هنا.
بمعنى آخر لم يعد القسَم على الدستور والذّود عن مصالح الشعب وأمواله وترسيخ دور مجلس الأمة الرقابي والتشريعي، لم تعد كل هذه الأهداف قاصرة على من يحتَل مقعده تحت قبة المجلس، بل تسرّب مثل هذا الإحساس بالمسؤولية إلى قلب كل شاب وشابة من أبناء الكويت، فأصبحت حقوقاً مُكتَسَبة، ولن يكون من السهل بمكان العودة بالمشهد إلى الوراء.
من المؤسف أن هنالك من لا يزال مُصراً على استخدام أدوات لم تَعُد صالحة لحسم صراعاته السياسية في زمن أصبحت فيه حرية الرأي والاختيار، والنهج الديمقراطي، والاحتكام لصناديق الانتخاب أهم بكثير من الخبز ولُقمة العيش لدى شريحة كبيرة من الشباب الذين يشكّلون اليوم غالبية المجتمعات العربية، و الكويت ليست باستثناء هنا.
لم يعد لثقافة حُكم وسُلطة الفرد حيّز في يقين جيل اليوم، ويوماً بعد يوم تَكشف لنا الأيام والأحداث أن محاولات البناء أو الإصلاح أو التنمية لا يمكن لها أن تصمد إن لم تحتضنها مؤسسات فاعلة وحقيقية، ولعل في التجربة المصرية الحديثة خير دليل على ذلك، فالمشروع القومي العربي الذي نادى به الزعيم الراحل عبدالناصر، لم يستمر بالرغم من سمو أهدافه وامتداده عبر كل الحدود العربية، لكن ارتباطه برمزية جمال عبدالناصر وليس بمؤسسات راسخة وعابرة للأفراد، قد يكون من أبرز أسباب تراجعه. فبعد وفاة عبدالناصر انتشرت مجموعة من النكات حول استمرار خلفه السادات في سياسته وفكره ومنهجه نفسه، وكانت إحداها تقول إن السادات يسير على خَط عبدالناصر “بأستيكة”، أي أنه يمحو كل خطط سَلَفه، وأخرى تقول إن السادات كان يقول لسائق سيارته أعطِ إشارة شمال ثم أدخل يمين، في إشارة إلى أنه يُغيّر الطريق الذي رسمه عبدالناصر من اليسار والاشتراكية إلى اليمين والرأسمالية.
لا يوجد ضامن حقيقي لاستمرار أي دولة إلا من خلال اعتمادها بُنية داخلية قائمة على دستور مُتّفق عليه وبُنية مؤسّساتية تَعتمد المشاركة السياسية الفعلية للتعبير عن المصالح المُتضارِبة داخل المجتمع الواحد، والأمثلة على ذلك شاهدة للعيان في التجارب الغربية.
ومن هنا، ومن مثل هذا اليقين المُدعم بتجارب ناجحة من حولنا فإن ما حدَث في جلسة الثلاثاء من شدّ وجَذب بين الحكومة وأعضاء البرلمان، وما كان من رَفض لبعض النواب على الصورة التي تَم فيها إقرار ميزانية الدولة. كل ذلك يأتي ليرسّخ يقيناً لدى المواطن في الكويت ، مسؤولاً كان أم لا، بالمضامين الإيجابية لأي تفاعل يحدث بين “الأعضاء المتخاصمين”، ويرسّخ مجلس الأمة كمؤسسة تشريعية رقابية ويُقنَن من شخصنة السلطة السياسية بما يُحقّق المنفعة للجميع في نهاية الأمر.
لا تجربة سياسية دون إخفاقات وعثرات ومعوّقات، لكن تبقى العبرة هنا في كيفية الاستفادة من كل ما تعبر به أي تجربة من أحداث، ففي النهاية وطبقاً للتجارب التاريخية، فإن الديمقراطية التي يكون أساسها دستور وعقد اجتماعي، تمنح الدولة مقومات للاستمرار أكثر بكثير مما تمنحه الدكتاتورية أو حكم الفرد، ولا داعي هنا لسرد أمثلة على ذلك، ففي الأولى يكون الحكم للقانون، بينما يتحكّم ويحكم الأشخاص بمفردهم في الحالة الثانية.
