
حينما يتعلق الأمر بفناء البشرية، لم تعد الحروب هي الهاجس الأول، وإنما أصبحت التكنولوجيا تشكّل التحدي الأكبر أمام استمرار الإنسان وبقائه بهيئته وعقله وثقافته الراهنة. فالتطور التكنولوجي الرقمي أصبح أسرع من أن تدركه عقول البشر المحدودة قياساً. أما بالنسبة للعلماء القريبين من هكذا تغيرات وتحولات وتطورات، فهم باتوا الأكثر تنبؤاً بما سيحدث للبشر كطاقة بيولوجية عائمة في وسط محيط من التحديات والتغيرات المذهلة والرهيبة.
البروفيسور ميتشيو كاكو أكثرهم تحاوراً مع العامة من الناس، لا ينافسه في ذلك سوى جيم الخليلي أو جمال الخليلي العالم البريطاني ذي الأصول العراقية.
ميتشيو كاكو عالم أمريكي – ياباني، مختص بمجال الفيزياء النظرية، ومتخصص في نظرية الحقل الوتري String Field Theory، ومن أقواله الشهيرة ما ذكره في لقاء له قال فيه: “من الممكن خلال دقائق الآن اختزال ملايين السنين من التطور، وخلق أصناف جديدة كاملة من حيوانات مخلّطة جينياً لم تمش من قبل على سطح الأرض”.
لقاءات وحوارات البروفيسور ميتشيو كاكو مثيرة دائماً، وفي إحداها تحدث عن مستقبل التكنولوجيا في إجابة لسؤال طُرح عليه حول إمكانية تحوّل التكنولوجيا وتغلّبها على العقل البشري، حيث قال: “في السنوات المقبلة سيكون سعر شريحة الكمبيوتر أقل من فلس، أي أرخص من كيس النفايات، وستكون في كل مكان وبلا مكان، بما في ذلك عدسات العين، حيث سيتمكّن البشر برمشة عين من الاتصال بشبكة الإنترنت ـ وهو أمر يطرح جدلية اختبارات التعليم، سواء العالي منه أو العام ـ إذ لم يعودوا بحاجة إلى حفظ كل المعلومات، وإنما فقط الحصول عليها برمشة عين، وسيتطوّر مثل هذا الاستخدام ليشمل الاتصال بالطبيب كذلك، برمشة عين تربطك بطبيب آلي بعقل افتراضي متخصص يحدّثك ويشرح لك علّتك ويصف لك الدواء وبأي لغة تريد، كل ذلك سيكون شبه مجاني، مما يعني ثورة قادمة في المجال الصحي والطبي، وقد يبقى الأطباء التقليديون متواجدين، لكنهم أيضاً سيستعينون بالطبيب الآلي، ثم لنفترض أنك كنت في حادثة سيارة في دولة غريبة لا تتحدث لغتها، سيكون بإمكانك استخدام ساعتك الإلكترونية للتحدث مع محامٍ آلي لديه القدرة على فهم القانون في أي دولة وبأي لغة”.
ثم يطرح ميتشيو كاكو توقعاته، على ضوء ما يحدث الآن من تقدم تكنولوجي رهيب في قدرات العقل الآلي، حيث يقول إن التطور سيكون أكبر وأسرع من تطور صناعة السيارات اليوم، لأن السيارة ستكون هي الأخرى مجرد جهاز آلي أو روبوت، سيكون بالإمكان التحدث إليه والطلب منه تحديد المسار وإيجاد موقف، وغير ذلك من أوامر تشغيلية اعتاد الإنسان استخدام يده أو رجله فيها، وهو أمر سينعكس على اقتصاد المدن، حيث لن تصبح مسألة مواقف السيارات مشكلة يعاني منها الناس كما هو الحال اليوم.
أما آخر عضو ستتم ميكنته وتحويله إلى آلة فهو العقل، خصوصاً بعد أن نجح العلماء مؤخراً في نقل ذاكرة كاملة، مما يعني إنه بالإمكان نقل الذاكرة وتخزينها، ومن ثم تزويدها بمشاعر وأحاسيس وذكريات وعواطف، وليس مجرد معلومات.
الذكاء الاصطناعي يتطور بنمط زمني قياسي، وتهديده للوجود البشري الثقافي والبيولوجي أصبح واقعاً، وهو ما دفع الأمم المتحدة إلى الاجتماع مع كبار المتخصصين في هذا المجال، للتحذير من أن تدمّر أنظمة الذكاء الاصطناعي البشرية يوماً ما، مع ما يحمله ذلك من احتمال أن ينقرض الجنس البشري، لدرجة أن ألف شخصية في هذا المجال طالبت في مارس الماضي بوقف أبحاث الذكاء الاصطناعي.
أما علي الجانب الآخر فقد “طمأنت” الروبوتات البشر بأنها لن تتمرّد عليهم، جاء ذلك في قمة الأمم المتحدة في جنيف في يوليو الجاري، الذي شاركت فيه 9 روبوتات، أجابت عن أسئلة الصحافيين، مؤكدة قدرتها على حكم العالم بكفاءة أعلى من البشر.
لا يتعامل الذكاء الاصطناعي بالمشاعر، ولا بالعواطف التي عادة ما تحكم قرارات البشر، حتى أن أحد الروبوتات المشاركة في مؤتمر جنيف، أشار إلى أنه سعيد لكونه عاجزاً عن الشعور بالمعاناة، وتلك صفة بشرية قد تنقرض تماماً، مما يعني أن الحروب ستكون أشد شراسة، كما قد يؤدي غياب الإشراف البشري هنا إلى تصعيد قد يهدد بحرب نووية، وهو ما حذرت منه الأمم المتحدة أخيراً.
العالم اليوم مقبل على مستقبل ذكاء له مساره وقيمه الخاصة، التي قد لا تتوافق مع قيم وأهداف البشر، والحديث اليوم عن كيفية الحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي هو حديث واهم، فالمارد غادر القمقم، والسيطرة عليه لا تعدو عن كونها مجرد حلم.
