كفانا… صمتاً(1)
[جريدة القبس 6/8/1991 (1) يعد هذا المقال أول مقالات الكاتبة، حيث بدأت الكتابة الاحترافية بانتظام في جريدتي القبس والطليعة.]

في كتاب “جمهورية الخوف” تطرق الكاتب في مقدمته إلى أن ما حدث في الثاني من أغسطس عام 1990، كان نتيجة لغياب الديمقراطية في قطر من أقطار العالم العربي، فلولا الدكتاتورية لما أمكن لأفراد مثل صدام حسين أن يثبتوا مكانة الزعامة المصطنعة على قمة نظام البعث الذي حكم العراق بالأجهزة السرية والخداع الإعلامي.
وبالفعل، فقد عاش الشعب العراقي مأساته هذه مع نظامه على مدى أكثر من عشرين عاماً، كان فيها صدام حسين حاكماً فعلياً لأكثر من اثني عشر عاماً. فاغتال كل رأي مخالف لمبادئ حزب البعث، وأضحت العقول مكبلة، والقلوب مرتجفة خشية أن توشي بها العيون، فالجزاء حين ذلك القتل.
وتوالت أحداث مخيفة على المجتمع العراقي، قد يكون أفدحها ويلات حرب مدمرة دامت ثماني سنوات، التهمت ما التهمت، وشردت من شردت، ورملت، وثكلت. ويبقى الشعب صامتاً، ليجوع وطن المليون نخلة.
نعم لقد أجهض ثمانية عشر مليوناً من البشر (وهم تعداد سكان العراق) حقهم في أن يروا بأعينهم، ويسمعوا بآذانهم لينطقوا بما يرونه متقفاً ومصالحهم تاريخياً واجتماعياً ويجيء غزو الكويت، ليضيف لوناً آخر من المعاناة، فالعدو هنا أخ عربي مسلم، وليس من المجوس أو الفرس.
ويبقى الشعب صامتاً أيضاً.
ويتراجع النظام فجأة، عما رآه ركيزة أساسية لإشعال حرب السنوات الثماني ويتخلى عن شروطه في شط العرب، فيصمت الشعب أيضاً، ويساق ثمانية عشر مليوناً، بأمر أفراد لا يتعدى عددهم أصابع اليد الواحدة.
وتتوالى الأحداث سريعة، ويشاء الله أن يندحر جيش النظام ويهزم. فينطق الشعب، وتقوم الثورات الشرسة في شمال البلاد وجنوبها. تحرق صور الزعيم.. ويهرب الآلاف إلى الجبال.. وينطلق صوت المعارضة في كل مكان مطالباً بإسقاط الزعيم.
لقد صمت الشعب العراقي طويلاً، حتى التهمت النيران الأخضر واليابس من بلاد الرافدين.. وكان صوت المعارضة فيه متحشرجاً عقيماً بعد أن حدث ما حدث، فكان عليه من المسئولية ما على النظام نفسه.
لقد تنازل الشعب عن حق من حقوقه في أن يكون مسئولاً في توجيه مسار بلده، فكان شريكاً فعلياً بكل ما حدث.
كان لثورات الشمال والجنوب أثراً شافياً وواقياً لو أنها تحركت وثارت في أوانها، فحقنت الدماء قبل أن تسيل عبثاً في حرب مجنونة دارت رحاها ثماني سنوات، فالذين كانوا يموتون في الحرب العراقية – الإيرانية كثيرون، وكان الرافضون لهذه الحرب أكثر، لكن الحناجر لم تكن تجرؤ على الرفض الصريح، فاكتفت بتغيير المنكر بأضعف الإيمان.
وعالمنا العربي، مليء بأشباه صدام، وإن افتقدوا تهوره ونرجسيته، فلولا أننا نعج بأمثال صدام حسين، لما تجرأ أن يخرج على العالم بفعلته السوداء، ولما فوجئت الشعوب بموقف كالذي اتخذته منظمة التحرير الفلسطينية إزاء العدوان.. الموقف الذي كان واضحاً وجلياً منذ مؤتمر القمة الذي عقد في بغداد في مايو 1990، والذي أيدت فيه المنظمة مطالب صدام الابتزازية لدول الخليج.
ولو كنا حقاً شعوباً مدركة لحقها في المشاركة الفعلية في تحمل المسئولية، لأدركنا حقنا في الاطلاع على ما يجري في مؤتمرات عقدت من أجل تقرير مصائرنا، ولعرف الجميع موقف المنظمة التأييدي الكامل لمزاعم العراق في ذلك المؤتمر المشئوم. والذي لم نر منه سوى مراسيم الاستقبال والتوديع، تصحبها الأهازيج والأغاني.
لم يقتصر موقف المنظمة على التأييد بالقول فقط، بل قامت مظاهرات التأييد لفارس العرب في كل أزقة الأرض المحتلة وقام فتيان الحجارة بحمل صور صدام بدلاً من الحجر، واستبدلت شعارات “فلسطين عربية” بأخرى تدعو أن “الكويت عراقية” واختلف مسار القضية، ففقدت ما فقدت من التأييد سواء كان مالياً أم معنوياً.. وفقد من فقد وظيفته، ورحل من رحل عن ملاذه الوحيد بعد فقدان الوطن الأم.
لقد صمت الشعب الفلسطيني أيضاً.. وانقاد وراء ما أقره نظامه.. فأصبح شريكاً. وبالرغم من أن الخيار في إبداء الرأي هنا كان مباحاً إلى حد ما.. إلا أن مظاهرة واحدة لم تندد بالغزاة.. أسوة بتلك المظاهرات المؤيدة.
ومرة أخرى يقف شعب عربي آخر ضد مصالحه التاريخية، ولاء لنزوات نظام استبدادي.
وتضيع الشعوب بين نزوات الأنظمة، لا لشيء إلا لأنها أغفلت حقها في أن تكون شريكة في المسئولية حتى إذا ما كان عليها أن تتحمل العاقبة، يكون ذلك على وجه حق لا مبرر غيره.
قد يختلف الوضع قليلاً عنا في الكويت… إلا أننا نظل ندور في فلك دول المنطقة.. مساهمين إلى حد كبير في ألا تطالنا يد التغيير نحو مجتمع مسئول.. وتظل دائرة متخذي القرار ضيقة لا تسع المجتمع بكل توجهاته.
ما زلنا نخشى التغيير خوفاً من أن يهدد استقرارنا، مصرين على تجميد أوضاعنا وصد متطلبات التغيير. فنكون قد ساهمنا بالفعل في إغفال حقنا في المسئولية.
إن تاريخ البشرية مليء بأمم وشعوب اعتركتها يد الظلم.. فتمخضت عنها أمم وشعوب كانت نماذج يقتدى بها على مر العصور، إلا أننا آثرنا أن نلتزم الصمت أيضاً، ونأوي إلى ردائنا القديم. مؤثرين أن نقف ضد مصالحنا تاريخياً واجتماعياً، مغفلين حقنا في أن نكون مسئولين عن بناء دولتنا. فالدولة ليست أهازيج فرح وغناء وأقواس نصر، إن الدولة علاقة بين الشعب والنظام.. وكفانا صمتاً، فالصمت لا يبني مستقبل الشعوب.
