
لايزال الجدل حول مقررات التربية الإسلامية قائماً، ولاتزال وزارة التربية متذبذبة بين تعديل تلك المناهج وملاءمتها مع روح العصر واحتياجاته وبين الانصياع التام لشروط واضعي المناهج الداعية إلى تكثيف برامج التربية الإسلامية!
هنالك نقد شديد لمحتويات مناهج اللغة العربية والتربية الإسلامية، ليس بسبب (الضغوط) الغربية، كما يحلو للبعض أن يفسرها، وإنما بسبب استياء عام، سواء من الطلبة أو من المدرسين أو من أولياء الأمور، لما تحويه تلك المناهج من حشو لغوي ولفظي مكثف لا يخدم الأهداف الأخلاقية والتربوية من وراء مناهج الدين على وجه الخصوص، بالإضافة إلى ما تتضمنه تلك المناهج من مواد ومواضيع هي أقرب إلى مقالات الرأي منها إلى المواد العلمية البحتة!
وقد استعرضت الكثير من المقالات نماذج لتلك المواضيع، التي لم يسعفنا حجم المقال هنا لاستعراضها، وعلى الراغبين في الاطلاع على أمثلة منها مراجعة أي منهج للتربية الإسلامية!
مؤخراً قامت وزارة التربية بإخطار المدارس العربية الأهلية والمدارس ذات المنهج الأجنبي، بضرورة زيادة حصص التربية الإسلامية وتخصيص حصص لتحفيظ القرآن الكريم والتجويد بجميع الصفوف الثانوية من الأول إلى الرابع الثانوي، وقد أرفقت الإدارة مقترحاً لتوزيع تلك الحصص يتضمن تحديداً لزمن الحصة، بحيث يكون خمساً وأربعين دقيقة! مما يعني أن المدارس الخاصة ستكون مجبرة على تغيير التوزيع الزمني لحصصها ليتلاءم مع شروط وزارة التربية! ولم تنسَ الوزارة (مشكورة) أن ترفق جدولاً يحوي توزيعاً لتلك الحصص الجديدة في المدارس ذات المنهج الأجنبي وثنائي اللغة لمراحل التعليم من الابتدائي وإلى الثانوي بواقع حصتين لمادة القرآن الكريم بحد أدنى 40 ـ 45 دقيقة للحصة، وحصتين لمادة التربية الإسلامية بالحد الزمني ذاته، ليكون المجموع 180 دقيقة، أي ما يعادل خمس الحصص في المدارس التي تعمل بنظام الـ 35 دقيقة للحصة!
إن ما يدعو للأسف حقاً، ليس في عشوائية قرار وزارة التربية، وافتقاره لشرط محاورة المعنيين بالأمر هنا، وإنما ما يؤسف حقاً له هو ما جاء في إجابة وزارة التربية على سؤال حول كيفية ملاءمة تلك الحصص الإضافية مع الجدول الدراسي المزدحم أساساً! حيث كان اقتراح أحد أعضاء اللجنة المختصة، إلغاء حصص الموسيقى أو النشاط، واستبدالها بحصص تحفيظ القرآن الكريم!
قد يكون الحوار في هذا الصدد صعباً بعض الشيء، لأن هنالك من سيعمد إلى تفسير حوار كهذا بكونه رفضاً صريحاً لتحفيظ القرآن بالتحديد! خاصة أننا قد عهدنا في الكويت مثل هذا الادعاء الذي يوجه إلى كل من يحاول نقد مقررات التربية الإسلامية!
لكن ذلك يجب ألا يعني أن يبقى باب الحوار والمصارحة هنا موارباً أو نصف مفتوح! خاصة بعد أن بدأت المملكة العربية السعودية في مراجعة مقرراتها الدينية، وقد أصبح ذلك مطلباً على مستوى الهيئة التدريسية ذاتها! ففي بحث شامل ومطول لمناهج التعليم خاصة لمقررات التوحيد في المملكة، للدكتور حسن بن فرحان المالكي صاحب المؤلفات في الفقه والتاريخ الإسلامي، والباحث في موسوعة أسبار للعلماء والمتخصصين في العلوم الشرعية، ومن ضمن ما ذكره حسن المالكي في بحثه ما يلي:
(1) إن المقررات الدينية جزء لا يتجزأ من سائر المقررات، يجب أن يراعى فيه التدرج العقلي والنفسي واللغوي والتكليفي للطالب.
(2) المقررات الشرعية بشكل خاص لم تحظَ من التجديد والمراجعة وحسن التشخيص بما حصل للمقررات الأخرى نتيجة للتدخلات من خارج الوزارة، تلك التدخلات المبالغة في التحفظ وسوء الظن بالقائمين على التعليم، وهذا التدخل غير العلمي ولا النظامي أفقد المقررات التواصل مع هموم الطالب إضافة إلى تعقيدها للعبارة وضبابيتها وسطحيتها وضعفها العلمي وتناقضاتها.
(3) علينا أن نعمد وبشجاعة كافية إلى تجديد وتطوير المقررات والمناهج الشرعية بما فيه مصلحة الطالب والوطن! وهذه الشجاعة مطلوبة من الجميع في البلاد من أعلى إلى أصغر موظف في التطوير التربوي، فلا تكفي شجاعة الفريق العلمي فقط ولا بعض أفراد من الأسر الوطنية ولا أفراد من فريق التجديد الشامل ولا وكيل وزارة أو وكيلين أو مدير تعليم أو مشرف تربوي، كل هذا لا يفيد في وضع منهج أو مقرر خالٍ من التشخيص الدقيق للمرض الذي لازم المقررات الدينية، وبالتالي علاجه.
ما سبق ذكره كانت فقرات مختصرة من نقد مطول للمناهج الدينية في المملكة العربية السعودية، وهو بحث يقدمه أحد التربويين المتمرسين في وضع المناهج وتدريسها، وهو بحث لا يأتي الآن بسبب الحملة على المناهج التعليمية الدينية التي زعمت الولايات المتحدة – مصيبة أو مخطئة – بأنها تحرض على العنف ونفي الآخر وعدم الاعتراف به… إلخ، كما يقول السيد حسن المالكي في بحثه، وإنما هو بحث قائم على أسس علمية رأى الباحث ضرورة نقلها وإعلانها للمسؤولين!
أتمنى لو يقرأ المسؤولون هذا البحث مع بيت من الشعر قد يكون ذا فائدة!
“أمرتهـــــــم أمــري بمنعــــرج اللـــــــوى
فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد”.
