الأرشيف

صراع الجغرافيا.. أم حوار التاريخ؟!

[جريدة الطليعة 21/10/1998]

وقف النائب “غنام الجمهور” معارضاً لمشروع مجلس الوزراء الرامي إلى إنشاء مدينة الصبية وإقامة مجمعات سكنية فيها تتسع لنحو ربع مليون نسمة!! ومعارضة النائب الفاضل هنا لا علاقة لها بالخطط والمشاريع الإسكانية بشكل عام!! بل هي معارضة (استراتيجية) بحتة، يرى النائب على ضوئها أن منطقة الصبية غير صالحة لإقامة تجمعات بشرية، لأنها جغرافياً تلتصق بالعراق!! وهو، أي النائب الفاضل، يرفض أن يصبح المواطنون دروعاً بشرية للنظام العراقي!!
منطق غريب ومؤسف، وإن كان منطقاً لا يقتصر على النائب “غنام الجمهور” وحسب بل هو في كل قرار، وكل فعل، وكل خطة، سواء على المستوى الرسمي، أم على مستوى الأفراد!! قد لا يشك أحد في حجم المعاناة التي تعرضنا لها جميعاً من جراء غزو النظام العراقي للوطن!! كما ولا أحد يجهل أو يتجاهل المخاطر التي لا تزال قائمة مع بقاء واستمرار النظام العراقي في إدارة العراق!! لكن ذلك لا يجب أن يكون مدخلاً لحجة أو عذر حول استمرار (الهاجس العراقي) وبقائه مسيطراً بهذه الصورة على كل مشاريعنا وخططنا، بل وأحلامنا المستقبلية!!
من الطبيعي جداً أن يكون إفراز ما بعد الحرب دائماً أسوأ وأقسى!! فانهيار الدول والمجتمعات لا يكون في ذروة الحروب وأوج اشتعالها، وإنما هو يأتي بعد أن يخمد ضجيج السلاح!! فالتدهور الاقتصادي، والتفسخ الاجتماعي، وتراجع برامج التنمية، وانهيار الدولة الحقيقي، كلها من أبرز إفرازات الحروب عبر التاريخ!! وإذا كانت ظروفنا في هذا الوطن سواء الاقتصادية منها أم الاجتماعية أم السياسية، قد أنقدتنا من فوضى ما بعد الحروب هذه فإنها لم تنقذنا من (أسر) الخوف والترقب الذي أصبح مسيطراً بصورة أفقدتنا توازننا في أحيان كثيرة، وكما حدث في الشتاء الماضي على سبيل المثال!!
نحن بالتأكيد لا نستطيع أن نغير الجغرافيا غير أن بإمكاننا تطويع وترويض التاريخ بالصورة التي توفر لنا تعاملاً أفضل مع معطياته وشروطه، فالعراق كدولة وكيان باق جغرافياً كما هو، غير أن النظام بمواقفه وبسياساته قابل للتغيير والتبدل!! والحكيم في هذه الحالة هو الذي لا يصارع الجغرافيا، بل يحاور التاريخ!!
لقد أصبحنا فيما بعد الغزو، أسرى خوفنا وهاجسنا الذي لا يتوقف من احتمال تكرار التجربة البشعة!! وهو قد يكون خوف طبيعي ومنطقي تعرضه فلسفة التجربة والألم، غير أن ذلك لا يعني ولا يجب أن يعني أن نعيش في قوقعة الألم والتجربة بصورة تسيطر معها لغة العاطفة على حكمة العقل وتأنيه حتى في أدق تفاصيلنا، وخططنا ومشاريعنا المستقبلية!!
نحن لا ننكر حجم المعاناة التي لا يزال يخضع لها الكثير من أبناء هذا الوطن، ممن فقدوا عزيزاً استشهد، أو ممن طال انتظارهم لأسير لم يعد بعد!! لكننا كذلك نعلم أن ليس في مصلحتنا كشعب، وكدولة، أن يصبح الغزو ومعاناته، محور تفكيرنا ومحطتنا الأخيرة التي نرفض أن نغادرها!! خاصة بعد أن انعكس ذلك الأسلوب على مناهجنا التعليمية والتي تصر بصورة غير صحية وغير ناضجة على ترسيخ مفاهيم عن (العدو) و(الأعداء) يصعب فهمها وإدراكها على جيل الكبار أنفسهم، ناهيك عن الصغار!! فصعوبة فهم وإدراك ما حدث كان لا يقل ألماً عن ألم الغزو بحد ذاته!! بل لقد انعكس ذلك الأسلوب في سرد المناهج الدراسية على ثقافة أبنائنا وألعابهم، وأصبحت (لعبة العراقيين) من الألعاب الشائعة بين الأبناء!!
سيبقى الغزو علامة من العلامات الفارقة التي تسيطر على ذاكرتنا، شئنا ذلك أم أبينا، وهي علامة يجب أن تكون مدخلنا نحو نضج أكثر وفهم أكبر لطبيعة التاريخ ومتغيراته ومستجداته!! وإذا كان العداء للعراق مقبولاً ومنطقياً الآن وفي هذه المرحلة من تاريخنا!! فإن موقعنا الجغرافي، وتكويننا البشري وحجمنا السكاني ستجبرنا يوماً على ترويض التاريخ بالصورة التي تخرجنا من أسر الخوف والترقب، والإذعان (لدبلوماسية السياسة) التي حتماً ستبيحها تقلبات التاريخ، وأمواجه!! عندها ستتعثر استراتيجيات هشة وساذجة مثل استراتيجية النائب “غنام الجمهور” والتي يبدو أنها لا تؤمن بالتاريخ، ولا بالجغرافيا، ولا حتى بالمنطق!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى