
في العام 1991 ومع التباشير الأولى لفجر التحرير تنطلق مجموعة من أهالي الكويت المخلصين لتعبر عن امتنانها ووفائها للوطن وعن إخلاصها وتفانيها في خدمته وخدمة أبنائه ولكل ما هو في صالحهم وحقوقهم، فتعلن عن أول تجمع يخرج من فوهة حريق الغزو وغضبه ويحمل على عاتقه متابعة حقوق المواطن أسيراً كان أم شهيداً، صامداً كان أم لاجئاً!!
“الجمعية الكويتية للدفاع عن ضحايا الحرب” كانت أول تعبير راق ومسؤول عبَّر من خلاله المواطن عن تجربة الغزو والحرب، وانطلق فيه إلى تفاعل ناضج حي وحداثي مع إرهاصات الحروب وتداعياتها.
“الجمعية الكويتية للدفاع عن ضحايا الحرب” كانت تحركاً وتجمعاً عفوياً تحدث باسم وهوية جميع ضحايا الحرب دون أن يُبرز اسماً مجدداً أو يسمي هوية واحدة!!
لقد سقط مشروع “الجمعية الكويتية للدفاع عن ضحايا الحرب” نتيجة لجهل البعض بأصول العمل التطوعي، ولخوف البعض الآخر من منافسة عمل كهذا للمشاريع الحكومية المشابهة. والأصح أن نقول هنا بأن المشروع أسقط بفعل فاعل ولم يسقط بسبب خلل في أهدافه أو أدائه!!
في دراسة صدرت أخيراً عن وزارة الشؤون حول إشهار الجمعيات الخيرية وجمعيات النفع العام تقول إن بعض الجمعيات غير المشهرة تحمل أهدافاً مكررة وتمثل ازدواجاً غير مجد واقعياً وعملياً وأن المجتمع لا يتسع لهذا الكم الهائل من الأنشطة. وتلك حقيقة لا نجادل وزارة الشؤون حولها خصوصاً لما يتعلق بالجمعيات ذات الطابع الإسلامي التي لا يضيف تكرارها جديداً، والتي أصبح بعضها يملك امتداداً مريباً خارج الكويت كدولة وخارج مصلحة المواطن.
لكننا لا نتصور أن الوزارة محقة في تعليلها لحجب الإشهار عن جمعيات يحتاجها المجتمع الكويتي بالفعل. لكونها جمعيات ذات طابع سياسي، والتي من ضمنها نادي الاستقلال، والجمعية الكويتية لحقوق الإنسان، والجمعية الكويتية للدفاع عن ضحايا الحرب وجمعية النهضة الكويتية.
نحن بلا شك لن نستطيع أن نعزل نشاط الجمعيات عن المسار الديمقراطي للكويت في شكل عام. فلقد شهد المجتمع الكويتي صحوة سياسية واجتماعية مع بداية الخمسينيات حين أخذت تلك التجمعات والجمعيات الصغيرة في التشكل معبرة عن احتياجات المواطنين المختلفة ثم اتخذت تلك التجمعات أسماء لها وذلك مع دخول الكويت عصر الاستقلال ومع بداية التجربة البرلمانية!! وقد كانت تلك الجمعيات في نشاطها وأدائها مكملة للمسيرة الديمقراطية ولثقافة الحرية التي اشتعلت في فجر الستينيات!!
اليوم وبعد أربعة عقود على بداية تلك المسيرة لا بد وأن تكون ألوان المجتمع الكويتي قد تضاعفت وتنوعت الاحتياجات نظراً لتلك التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي عبرت بها الكويت. ما يعني أن الحاجة أصبحت مضاعفة لجهات تعبر عن تلك الاحتياجات والتوجهات بصورة حضارية تتماشى مع مشوارنا الديمقراطي وتشكل إطاراً لمجتمع مدني تثمر من خلاله التجربة الديمقراطية ويزدهر دورها.
لقد كان تعامل الحكومة مجحفاً وخال من الحيادية في تعاملها مع جمعيات النفع العام، وقد كان ذلك التعامل اللاحيادي واضحاً في الأمر الحكومي بإغلاق نادي الاستقلال في العام 1977 والذي كان أحد منابر القوى القومية العربية، وفي المقابل أسرفت الحكومة في تقريبها للجمعيات ذات النشاط، الإسلامي والديني، فأعطتهم مطلق الصلاحية في التحرك والعمل سواء اقتصادياً من خلال إنشاء مؤسساتهم المالية، أو من خلال التوسع في نشاطهم داخل مؤسسات الدولة وهيئاتها. مما خلق تشابهاً وتكراراً في عمل الجمعيات والمؤسسات الأهلية شل من توسعة وامتداد المجتمع المدني في الكويت!!
نحن إذاً مع رأي وزارة الشؤون في أن هنالك ازدواجية وتكراراً في أهداف بعض الجمعيات غير المشهرة! لكننا نرى أن الخروج من تلك المعضلة هو في إشهار جمعيات لا تحمل تلك الازدواجية، وتساعد على توازن المجتمع المدني بمؤسساته وبجمعياته الأهلية!!
لقد حوت دراسة وزارة الشؤون على عدد من الجمعيات المكررة بالفعل. والتي لا يختلف عليها اثنان، لكننا لا نرى تكراراً في الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان مثلاً، أو لناد خلد الاستقلال ونهجه كنادي الاستقلال، أو للجمعية الكويتية للدفاع عن ضحايا الحرب والتي كانت التعبير الأكثر نضجاً لمأساة الغزو والحرب، إلا أن يكون في أدائها ما يثير هاجس البعض وخوفهم من أن تشكل تلك الجمعيات سوابق سامية في كيفية حب الوطن والدفاع عن أهله، سوابق قد يجد البعض فيها صعوبة ومشقة!! وإلا فأين هي الازدواجية في الدفاع عن ضحايا الحرب، وأين هو التكرار في نادٍ ذي منحى ديمقراطي وعربي، يرسخ الاستقلال وذاكرته!!
