
كعادتها دائماً.. انفردت “الطليعة” برأيها المتزن.. ورؤيتها الحكيمة في تعليقها على المؤتمر الصحفي الذي عقده ولي العهد!! فبينما تراكض الباقون إما لسرد عبارات المديح والإطراء لشخص ولي العهد.. أو للهجوم الشرس على المؤتمر بأسره!! تباعدت رؤى “الطليعة” لتحظى برؤية شاملة للمؤتمر.. ولأبعاده فيما بعد!!
ففي افتتاحية العدد الماضي.. أثارت “الطليعة” المصادر الحقيقية للهاجس الأمني المستمر لدى المواطن.. والذي أصبح مصدر قلق منذ صبيحة الثاني من أغسطس 90!! حيث يأتي افتقادنا لاستراتيجية واضحة على مستوى الأمن الداخلي والخارجي والأمن الاجتماعي.. كأهم منعطفات الأمن في هذا الوطن!! كما ركزت “الطليعة” على أهمية حضور المواطن الكويتي.. وإلى مزيد من الوعي والفهم للمشاركة الشعبية الفعالة.
المؤسسات الدستورية
لا ينكر أحد جدية التحذيرات التي أعلنها سمو “ولي العهد” في مؤتمره الصحفي.. فالتهديد قائم.. ونوايا صدام حسين واضحة وصريحة.. والوضع قلق وحرج.. فالأرض والناس والثروة كلها في خطر!! تلك جميعها أدوات المشكلة وعناصرها.. والتي أصبحنا نعيها ونحفظها عن ظهر قلب!! نحن لا نعاني من قضية استشعار خطر.. أو إدراك أزمة خانقة تسيطر على كل خططنا ومشاريعنا المستقبلية!! وإنما نعاني من تكرار لعناصر المشكلة.. جعلنا في أحيان كثيرة نغفل أداة الحل!! أو لعله الإحساس بالعجز.. وقلة الحيلة أمام حجم المخاطر القادمة.. جعلنا نلجأ إلى اجترار أبعاد القضية.. وكأنما نداري بذلك عجزنا.. وضعفنا!!
قد لا نكون نحن فقط في هذا الوطن المهددين بمستقبل غامض ملبد بالغيوم!! فالخليج بأكمله يقف فوق فوهة بركان.. طالت حرارته أقدام السائرين فوقه!! ذلك واقع تفرضه الجغرافيا والتاريخ!! لن تستطيع الخلافات الخليجية أن تغير منه شيئاً!! قد نكون نحن في هذا الوطن أكثر إدراكاً لذلك.. لأسباب تفرضها الأحداث التي عصفت بأمن الوطن كما توجبها قوانين الجغرافيا السياسية!! لنكون بذلك أداة امتصاص.. ومن ثم عرضة لكل احتمالات الصراع.. والنزاع في المنطقة بأسرها!!
في أحد التقارير التي يبني عليها الساسة في أمريكا والغرب سياستهم ومخططاتهم المستقبلية.. جاء شرح للتوقعات المحتمل حدوثها بعد انهيار نظام الحكم في بغداد!! ومنها أنه من المتوقع أن يكون أول قرار تتخذه الإدارة الأمريكية في حال السماح بعودة العراق إلى المجتمع الدولي.. وإنهاء حصاره السياسي والاقتصادي.. سيكون قراراً بإطلاق يد العراق في الكويت!!
قد يكون في ذلك مبالغة.. وقد يكون احتمالاً وارداً!! لكن الذي يجب أن نعيه وندركه أن عودة العراق.. ستكون مشروطة بتبعية تامة لأمريكا.. مما يعني أن احتمال تغير دفة المشاعر الأمريكية لصالح العراق.. هو احتمال قائم ومنطقي جداً!! نحن لا نملك أن نتدخل في القرار الأمريكي.. ولا أن نغير من مخططاته.. واستراتيجياته المستقبلية.. ولكننا نملك وإلى حد ما.. أن نضع تصوراً لمستقبل آمن في المنطقة بأسرها!! بشرط أن لا نبدأ الترويج لذلك من خلال التطرف في الدعوة إلى وحدة خليجية شاملة.. وغيرها من الشعارات السياسية الفارغة.. والتي أضرت بمشروع التعاون الخليجي.. أكثر مما أفادت!!
المخاطر التي نحن بصددها.. تحتاج إلى توعية المواطن الخليجي إلى أن التعاون هو المنفذ الوحيد المتبقي للخروج من دائرة الهاجس الأمني.. واللااستقرار النفسي والذي أصبح يلقي بظلاله الرمادية على كل المشاريع المستقبلية.. بل وحتى الفردية منها.
الخليج بحاجة ملحة إلى رؤية مستقبلية موحدة تكون أهم نتائجها مزيداً من الإدراك واليقين الشامل لحقيقة وحدة المصير.. والتي ستدفع بمشاريع التعاون إلى خانة الواقعية والتنفيذ!! ولعلّ في تنمية ذلك الوعي تكمن أولى معوقات التنفيذ لأي مشروع تعاون خليجي!! لما يتطلبه ذلك من حضور للفرد في المجتمعات السياسية الخليجية.. وما يفرضه ذلك الحضور من توسع في الممارسة الديمقراطية والحرية بكافة أشكالها!!
سيبقى إذن المشروع الديمقراطي.. مهما طال أمد تغييبه في دول الخليج.. هو المخرج الوحيد في سبيل رؤية أفضل.. ومستقبل أكثر إشراقاً لدول المنطقة!! وهو أمر يتطلب تنازلات حقيقية من كافة الأنظمة الخليجية لخلق حالة من التوازن.. والانسجام السياسي.. يكون معها الحديث عن مشروع وحدة خليجية.. حديثاً واقعياً.. لا هزلياً وكما هو حالنا الآن!! خاصة أننا في هذا الوطن قد أدركنا أهمية ذلك الانسجام!! فلولا دكتاتورية صدام حسين لما كان مشروع الغزو ممكناً!!
لقد أصبح وجود زعيم النظام العراقي.. هو العائق الوحيد الذي يحول بيننا وبين رؤية مستقبلية آمنة ومستقرة!! فعلى الرغم مما يشكله بقاء نظام دكتاتوري من مخاطر على أمن المنطقة واستقرارها!! إلا أن خلل الإدارة في دول الخليج بوجه عام.. وتصلبها في مواقفها المعادية للديمقراطية.. والحرية.. يعتبر من ألد أعداء الاستقرار.. والأمن.. والأمان!!
بقاء صدام حسين خطر.. ما في ذلك من شك!! غير أن بقاء الجهل الديمقراطي.. وسنوات طويلة من الكبت والعزلة السياسية.. وتغييب الحريات.. هي ولا شك أكثر خطراً.. من حياة قصيرة لدكتاتور أهوج!! أخطر ما في استمراره.. هو أنه قد حجب الرؤية عن أخطار أخرى.
