غير مصنف

حصاد الديمقراطية

[جريدة القبس 19/3/2003]

هل آن الأوان لأن تحصد الكويت ثمرة ثقافة الحرية والديمقراطية التي ميزت مناخها السياسي على مدى أكثر من أربعة عقود؟ وهل جاء الوقت على المشككين بجدوى مجلس الأمة ـ بصفته أحد معالم النهج الديمقراطي ـ لأن يعيدوا النظر في شكوكهم تلك؟
إذا لم يكونوا قد أدركوا ذلك بعد، فما عليهم إلا أن يتابعوا التصريحات السياسية المتتابعة التي تتحدث عن مشاريع التغيير في منطقة الشرق الأوسط، وبالذات ما يتعلق منها بالأنظمة السياسية، حيث يتطرق مسؤولون أمريكيون في أكثر من حديث وتصريح للإشارة إلى ضرورة التحول الديمقراطي في المنطقة العربية آخرها كان في تصريح وزير الخارجية الأمريكي باول الذي أشار فيه إلى ضرورة اتباع النهج الديمقراطي في الدول العربية، ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية ستعمل على إرساء ديمقراطية انتخابية على الطراز الأمريكي وإنما ستعمل على مساعدة هذه الدول في بناء مجتمع مدني ومؤسسات ديمقراطية كالصحافة الحرة والأحزاب السياسية والمحاكم المدنية، وأن يتوج هذا البناء بانتخابات برلمانية وطنية.
ووفقاً لهكذا مقاييس فإن الكويت ستكون أقل دول المنطقة عرضة للتغيير، على مستوى النظام السياسي، لأنها تتمتع بالفعل بهذا المناخ السياسي الذي تسعى أمريكا وحلفاؤها لأن يكون السائد في المنطقة، فهنالك قدر معقول من حرية القول والتعبير والحركة، وهنالك تجربة برلمانية آخذة في النضج، ومجتمع مدني آخذ في التمدد والاتساع، وأيضاً هنالك تجمعات سياسية ونقابات مهنية ومحاكم مدنية وغير ذلك من معالم البناء السياسي الديمقراطي المنفتح والحديث.
لقد وضع النظام العالمي الجديد، الذي بزغ فجره مع انهيار المعسكر الشيوعي، شروطاً للانتماء إلى الأسرة والمجتمع الدوليين، كان أهمها على الإطلاق شرط الديمقراطية كأساس للبناء السياسي، وقد زاد اقتناع العالم بضرورة التحول الديمقراطي بعد أن أيقن الجميع دور الأنظمة الدكتاتورية والمستبدة في رعاية الإرهابيين وآلاتهم، إلى أن حدث ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر فتضاعف لدى الولايات المتحدة، بالتحديد، هاجس التحول الديمقراطي، خاصة لدى دول آسيا والشرق الأوسط وأصبح الحديث عن خطة تغيير وجه الشرق الأوسط من أكثر الأحاديث التي تحظى بتصريحات مسؤولين أمريكيين، وقد نشرت “القبس” في فبراير الماضي تفاصيل تلك الخطة، كما أوردها أحد المحللين السياسيين، الذي تطرق إلى أسلوب التغيير المحتمل في كل دولة شرق أوسطية، من إيران التي يرى أن الحكومة فيها لا تملك أي شعبية، وأن الفساد منتشر بين رجال الدين في النظام، إلى سوريا التي تعتبر المرتع الرئيسي للمنظمات الإرهابية والأردن الذي يعتمد على النفط العراقي، وبالتالي فهو يتعمد أن يتغاضى عن تودد صدام حسين إلى الأغلبية الفلسطينية في الأردن!
ويرى هذا التحليل السياسي أن تغيير النظام في إيران مثلاً سيجعل من السهل إقناع إيران فيما بعد بالتخلص من برنامجها النووي، وإيقاف دعمها للإرهاب في مناطق أخرى من الشرق الأوسط، وخاصة حزب الله، كما أن سوريا حين تكون مطوقة بقوى موالية لأمريكا، فإنها ستضطر تحت الضغط إلى التعاون مع الجهود المبذولة للتخلص من حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله.
قد يكون في مثل هذا التحليل شيء من المبالغة والتمني، لكن ذلك لا يمنع أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية جادة في مبادرتها وخطتها لما يتعلق بإرساء الديمقراطية مكان الدكتاتوريات العربية، وأن العراق سيكون منطلق التغيير في أنظمة الدول المجاورة.
وكما ذكرنا في بداية حديثنا فإن الكويت ستكون بذلك الدولة الأكثر أمناً واستقراراً نظراً لما تتمتع به من بنية سياسية ديمقراطية، مما يعني أن التغيير بالنسبة إلى الكويت لن يكون بحجم راديكالية التغيير في بعض الدول الأخرى وعمقه، وإذا كانت الديمقراطية في الكويت تشكل مكسباً سياسياً، يحرص أهل الكويت دائماً على الدفاع عنها والتمسك بها، فإنها اليوم ـ أي الديمقراطية ـ تشكل مخرجاً آمناً للكويت من زلزال التغيير القادم من فوهة البنادق الغربية.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى