شئون سياسية

خدعونا بقولهم.. عالم ثالث متخلّف

القبس-4 أبريل 2026

غيّرت الحرب في أوكرانيانظرة الكثير تجاه الغرب، باعتباره منارة العقلانية في السياسة، ومركز الديموقراطية والحريات، وقبلة الفنون والإبداع، والتفوّق في العلم، والالتزام بالمواثيق الدولية من حقوق إنسان وحماية المدنيين واحترام المرأة والأقليات.
غيّرت حرب أوكرانيا من هذه الصورة، وجاءت حروب الغرب فيالشرق الأوسط،لتؤكّد المزيد من تلك الرؤية المختلفة، والتي عشنا أجيالاً نؤمن بها، ونتمنى أن نلحق بها، لنكتشف في النهاية أن الأنظمة السياسية في الغرب لا تختلف كثيراً عنها في الشرق، وأن الحريات والديموقراطية وهم في الغرب، كما هي وهم في الشرق، بمعنى آخر تساوى الغرب والشرق في هذه المعادلة بعد سنوات طويلة من الانطباع الخاطئ.

ظهر مصطلحالعالم الثالثبعدالحرب العالمية الثانية، وعلى الرغم أنه في بدايته كمصطلح كان يصف البلدان غير المجاورة للدول الغربية، مثل الولايات المتحدة وأوروبا، أو العالم الأول، وغير المحاذية للعالم الثاني، أو للكتلة الاشتراكية.

ومع الوقت تحوّل المصطلح ليصبح مرادفاً للفقر والتخلّف العلمي والاقتصادي والزراعي والإنتاجي، إلى أن جاءت حادثة الحادي عشر من سبتمبر، وأصبح معها العالم الثالث مرادفاً للإرهاب والعنف والتطرف وقمع المرأة وسلب حقوقها، وترويج المخدرات وغير ذلك من آفات.

المشكلة هنا أننا نحن، أي مواطني العالم الثالث، تبنينا تلك الرؤية، وأصبحنا نرى في مجتمعاتنا أوكاراً للإرهاب والمخدرات والعنف، إلى أن أيقظتنا حرب أوكرانيا، ومن بعدها غزة، وكل الحروب المتوحشة التي يقودها الغرب في منطقة الشرق الأوسط، وجزيرة ابستين، لتتكشّف لنا السياسة على حقيقتها، ولنكتشف أن الغرب، الذي كان واعظاً للأخلاق السياسية حتى في الحروب، والمُدافِع عن حقوق البشر وحرياتهم، هذا الغرب بِقِيَمه، لا يختلف كثيراً عن العالم الثالث كما يصفه الغرب نفسه.

نعم، هنالك تطرّف، وهنالك عنف، وهنالك امتهان للمرأة وللحريات بشكل عام في دول العالم الثالث، ربما لأسباب لا علاقة لها بالتصنيف، الذي تم اعتماده بعد الحرب العالمية الثانية، وإنما يعود في أغلبه إلى افقار مجتمعاته، سواء بالاستحواذ على ثرواتها أو باستعمارها مباشرة. لكن في المقابل، أنهت الحرب في أوكرانيا وغزة والشرق الأوسط اسطورة الاستثناء الغربي من تلك السلبيات، وجعلت العالم الأول متطابقاً في سلوكه السياسي مع العالم الثالث، ورأينا نماذج من صدام حسين والقذافي والأسد في دول غربية تصورنا أنها محصّنة عن مثل هذا الجنوح في ممارسة السلطة. جميعنا تعرّضنا، بشكل أو بآخر، لتبعات مثل هذه الصورة النمطية لدول العالم الثالث، وهي صورة لا تزال موجودة للأسف، بالرغم من كل هذا التقدّم التكنولوجي الذي ربط العالم، صورة العربي المتخلّف الذي يمتطي جملًا، ويحظى بأربع زوجات، ويملك بئراً من النفط في ساحة منزله الخلفية، وبأننا كمجتمعات لا نقبل بأصحاب الديانات الأخرى للعيش بيننا، وأننا نعيش في مجتمعات بدائية لا تحكمها مؤسسات، ولعل في مقطع الفيديو، الذي استغربت فيه إحدى المواطنات الأمريكيات من وجود مؤسسة تأمينات اجتماعية في دولة مثل الكويت، وذلك حين تم بث خبر استهداف مبنى المؤسسة، مما يؤكّد طبيعة هذه الصورة النمطية، التي لا تزال مُتمكّنة من الوعي الغربي.

كانت ظروف عملي تستدعي التعامل مع جنسيات مختلفة، أغلبهم كانوا من أمريكا وبريطانيا، جميعهم وبلا استثناء كانوا مذهولين بأننا كسيدات نمارس أعمالاً ونتحرك بحرية، وذلك بخلاف ما سمعوه، أما الأغلبية منهم فقد كانوا مأخوذين بوداعة المجتمع وتآلفه، وسمو سلوكه، ومتانة العلاقات بين أفراده، هذا ما يتعلق بالجانب الاجتماعي، أما على الجانب العملي، فقد كان تفوّق العرب والكويتيين العاملين معهم أكاديمياً ملموساً، ليس بتقدير الأساتذة، وإنما على مستوى تقييم الطلبة كذلك.

لقد خدعونا طويلاً بوصفهم بأننا عالم ثالث متخلف ودموي، صنعوا القاعدة وداعش وغيرهما، ونجحوا في ترويج تلك الصورة، سواء بيننا أو في العالم من حولنا، وقد آن الأوان اليوم لكسر هذه الصورة النمطية، بعد أن تساوت العوالم كلها في السلم كما في الحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى