
يقال إن أسلم الطرق لتعلم الكمبيوتر هي الجلوس فعلاً أمام هذا الجهاز المعقد والعمل عليه، بمعنى أن الممارسة الفعلية للجهاز هي وحدها السبيل لفهم طرق تشغيل الكمبيوتر وعمله. وهكذا هي الحرية وهكذا هو النهج الديمقراطي.
ففي هذا الجو العابق بروح الحوار والنقاش ومن قلب حلقات الندوات على اختلاف عناوينها وباختلاف محاوريها.. يحاول البعض أن يبث روحاً يائسة وقانطة من جدوى ما نحن بصدده من محاولات جادة تسعى إلى تشييد صرح ديمقراطي مستنير يكون أساساً لبناء وطن صلب قوي وواثق. إلا أن استجابة الشارع الرافضة لتلك النغمة الداعية إلى اليأس… قد أثبتت تجذر الوعي والحس الديمقراطي لدى المواطن.. وأثرت سنوات الممارسة في الحوار والنقاش.. التي دائماً ما كللت الحملات الانتخابية السابقة.
لعلّ المتتبع لندوات الحوار على اختلافها لن يخطئ روحاً من الوعي في الطرح شملت الناخب والمرشح على حد سواء وبحيث حرص كلاً الطرفين على التطرق لقضايا جوهرية تشغل المواطن وتؤرقه.. وشهدت الندوات التي أبدت جدية في طرحها لتلك القضايا.. شهدت حضوراً جاوز في أحيان كثيرة كل التوقعات.
وبينما كانت العاطفة هي سيدة النقاش والحوار.. في الندوات التي سبقت مجلس 92، حيث كانت أطروحات المرشحين مشحونة بحزن خلّفه الغزو وتبعاته… وكانت وعودهم بإصلاح مبهم الهوية والبرنامج، حيث تصدرت دعوة “الإصلاح” كل البرامج الانتخابية آنذاك. وكانت الجهود كلها تسعى إلى “منطقة إصلاح وسطى” تلتقي فيها كل التكتلات السياسية، قبل الانطلاق في معركة الإصلاح الكبرى!!
فبينما كانت تلك المثالية في الطرح هي القاسم المشترك لكل البرامج الانتخابية آنذاك.. تأتي حملات اليوم مؤججة بنضج تعكسه طبيعة ولون القضايا المطروحة اليوم.. وأسلوب متميز في الطرح والحوار يفرضه مستوى الوعي والإدراك الذي لم تعد تجذبه حفلات الولائم.. والخراف، بقدر ما تحركه نكهة القضايا المطروحة.. ومحتواها الفكري والسياسي.
الديمقراطية.. كالكمبيوتر… وكما ذكرنا آنفاً.. لا تكون إلا بالممارسة، فالديمقراطية.. ليست برلماناً.. ولا حملات انتخابية وحسب.. بل هي في عمقها الحقيقي… سلوك ثابت ومستمر.. وهي ليست حالة مؤقتة.. بل نهج متواصل متصل.
الديمقراطية.. كما الحرية.. ليست منحة أو هبة بل هي حق مكتسب.. أساسي.. ومستمر.
لذا فإن الذين يرون في أنفسهم يأساً يحاولون بثه في الآخرين من جدوى البرلمان.. والحق الانتخابي والترشيحي.. هم بلا شك مخطئون في يأسهم.. كما في مقصدهم.. فنحن في هذا الوطن.. بلا شك نقف في بداية الطريق.. بداية صحيحة وإن كانت صغيرة.. فبدون التراكمات الصغيرة هذه.. لا يمكن أن يولد التاريخ.
