
قد لا تكون المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي يؤكد من خلالها البعض تلك النزعات المتطرفة في الرأي. سواء أكانت مطالبة بإلغاء الحفلات أم بمحاربة الإبداع أياً كان منبعه وهويته، فإن الحقيقة الثابتة هنا، تؤكد ذلك الخلط الذي يقع فيه الكثيرون بين الدولة الديمقراطية والدولة الاستبدادية.
فبينما يحق للفرد في الدولة الديمقراطية أن ينتمي لأي توجه سياسي يراه مقنعاً له ومتفقاً مع رؤاه بوجه عام، يأتي الفرد أسيراً لنزعات الآخرين ورؤاهم في ظل الدولة الاستبدادية، وفي حين يرى البعض في هذا الوطن مساساً مباشراً بالدين والعقيدة من وراء إحياء تلك الحفلات الغنائية، وخرقاً صريحاً للعادات وللتقاليد، يرى البعض الآخر في تلك الحفلات تسلية بريئة، وإثراء للحس الجمالي والفني عند الأفراد، خاصة أن الحسم بشرعية تلك الحفلات عقائدياً، ومشروعيتها أخلاقياً ليسا حاسمين، بل قابلان للأخذ والعطاء.
أساس الاختلاف بين الدولة الديمقراطية والدولة الاستبدادية، أن في الأولى يملك الليبرالي كل الحق في التمتع بليبراليته. كما يملك الأصولي الحق ذاته في التعبير عن أصوليته، غير أن التمتع بتلك الحقوق وتحقيقها يمر عبر قنوات قانونية ومؤسسات حقوقية وثقافة ديمقراطية، تبيح للجميع التعبير عن حقوقهم، بينما تلجأ الأطراف للعنف ونبذ الآخرين في ظل الدولة الاستبدادية، ويصبح تجاهل حقوق الآخرين وإلغاؤها السبيل الوحيد نحو التمتع بأي حق أو رغبة.
ما يؤسف له هنا أن المطالبين بوقف الحفلات يأتون في مؤسسة يفترض أن تكون رمزاً للاعتراف بحق الآخرين، مما يعني أن هنالك خلطاً لدى هؤلاء بين الحس الديمقراطي والنهج الاستبدادي.
ليس ذلك دفاعاً عن الحفلات الغنائية ولا عن مريديها ولا محبيها، وإنما هو إصرار للحفاظ على أنصع إنجازاتنا في هذا الوطن، والذي أصبح يعرف بالديمقراطية والرأي الحر، والأفراد المبدعين.
الديمقراطية ليست رأياً واحداً، بل آراء كثيرة، وهي ليست ذوقاً موحداً بل أذواق مختلفة، يوفق بينها القانون، وتحسم تباينها مؤسسات حقوقية فاعلة، فالمشروع الديمقراطي أساساً لا يهدف إلى إلغاء تلك الاختلافات وإنما إلى تنظيمها، والحد من اصطدامها ببعضها البعض.
لقد سبق أن أثار هؤلاء البعض قضايا مشابهة لقضية الحفلات الغنائية، استغرقت من وقت مجلس الأمة ومن جهد المواطن في المتابعة والتفاعل.. ما استغرقت، وانتهى الجدل في أغلب تلك القضايا دون أن تحسم، غير أن استمرار إثارة مثل تلك القضايا يؤكد استفادة بعض الأطراف منها، ممن يخدمهم انشغال الرأي العام بقضايا هامشية وجانبية، عن التوغل في جوهر القضايا والمشاكل المجتمعية والسياسية والاقتصادية!
ولكن ما الذي يرجوه الداعون إلى منع الغناء ومنع الاحتفالات من وراء دعوتهم هذه؟!
إذا كانوا يرجون الحفاظ على الإسلام والذود عن العقيدة.. فهم حتماً قد اختزلوا الجهد وتنازلوا عن حقهم في الدفاع عن الدين والعقيدة.. لأن التحدي الذي يواجه الإسلام، عقيدة وديناً وفكراً وتراثاً، هو لا شك أكبر بكثير وأعقد بدرجات من مجرد التصدي لحفلة غناء، أو “الجهاد” في وجه مطرب أو مطربة.
وإذا كانت قضية المسلمين اليوم، هي قضية حجاب أو نقاب أو احتفال أو عرض للأزياء.. فما أسهلها من قضية، وما أهونه من تحد؟ إذاً ليس الإسلام طرفاً في ما يثيره هؤلاء من قضايا هامشية وجانبية، وليس الاختلاف هنا اختلافاً عقائدياً ودينياً، بل هو صراع خالد بين مجتمع الاستبداد ودولته، وبين مجتمع الديمقراطية ودولته، وسيبقى الصراع قائماً ما بقيت العشوائية ثقافته.. وأداة حسمه والفصل فيه!
