غير مصنف

الواقع وأحلام الآخرين

[جريدة القبس 24/3/1997]

الدعوة الرامية إلى تحويل الكويت إلى منطقة انتخابية واحدة، هي دعوة حكيمة وجميلة في إطارها العام والشكلي. غير أنها، وبحسب مقومات التكوين الاجتماعي للكويت، تعتبر دعوة غير ناضجة وسابقة لأوانها.
هنالك بلا شك طابع قبلي وطائفي يطغى على كل التركيبات البرلمانية منذ بدء الانتخابات النيابية في هذا الوطن. وذلك لأسباب لا علاقة مباشرة لها بتوزيع الدوائر الانتخابية وحسب، بل لأسباب تتعلق بالشكل العام للمجتمع، ولعوامل الانتماء التي تحرك الفرد، وتدفعه ومن ثم تؤثر في وعيه وإدراكه السياسي. إن الديمقراطية بوجه عام ليست قراراً سياسياً محصناً، بل هي نهج مجتمعي وإدراك ووعي سياسي قبل أن تكون قراراً. ولعل في ذلك الفهم الخاطئ تكمن أسباب القصور في العمل البرلماني بوجه عام في هذا الوطن. فقد لا ينكر أحد أن الوعي السياسي والنيابي لا يزال أسير انتماءات قبلية وطائفية بحتة، غير أن التغلب على ذلك الخلل لا يكون إلا من خلال خلق انتماءات بديلة، يكون أساسها التكوين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الحديث الذي أحدثه التحول الحضري في المجتمعات البشرية الحديثة، والثورة الصناعية، وبما فرضته من ولاءات جديدة، كالاتحادات العمالية، والنقابات المهنية والأحزاب السياسية، والمؤسسات الاجتماعية. وبحيث دفعت تلك الانتماءات الحديثة إلى نشأة المجتمع المدني، الذي ساهم في تقليص سيطرة جهاز الدولة لصالح تلك التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية.
إن العلاقة بين الديمقراطية والمجتمع المدني هي لا شك علاقة مباشرة، حيث تتم التنشئة الديمقراطية من خلال مؤسسات المجتمع المدني، بل أن الوصف الدقيق الذي يراه الكثيرون للديمقراطية، هي في أنها تشكل الواجهة السياسية من واجهات المجتمع المدني العديدة.
لذا، فإن الدعوة لإعلان الكويت منطقة انتخابية واحدة.. يجب أن تسبقها برامج توعية، لتشجيع المواطن على التعبير عن مصالحه من خلال الانخراط في العمل الشعبي، والتنظيم المهني، والمؤسسات الاجتماعية وبإرادة حرة بحتة لا بفعل ضغوط أو التزامات عائلية قبلية أو طائفية دينية.
فعلى الرغم من تجربة الوطن الديمقراطية، وبالرغم من المتغيرات التي كان بإمكانها أن تصهر المجتمع في خلية واحدة، وعلى الرغم من الأجواء المدنية التي خلفتها ظروف مثل كارثة الغزو، إلا أن التقسيم القبلي والطائفي سرعان ما يطفو على سطح الأحداث، ويعود مهيمناً على الشكل السياسي للوطن وللمواطنين.
لا جدال في أن التجربة الديمقراطية في هذا الوطن قد خلقت أرضية لابأس بها لقيام مجتمع مدني حديث، وقد كان بالإمكان التوسع في تلك الأرضية والانطلاق منها نحو مجتمع مدني ديمقراطي لا يخضع للتقسيمات التقليدية. والذين عاصروا فترة الستينيات والسبعينيات هم لا شك يتذكرون جيداً مناخ الجمعيات، والنقابات، الحر والنقي من أي انتماء عنصري.. سواء كان قبلياً أم طائفياً.
لقد أثبتت تجربة الغزو أن هنالك أطرافاً تقتات وتعيش من وراء تهميش المجتمع بعد اختفاء الدولة إبان الغزو، هو أمر غير مصرح به بعد. ومن هنا، فقد كان الإجراء الرسمي الأول فيها بعد التحرير هو في (انتشال) الفرد من المجتمع وإعادته إلى حضن الدولة، وكما حدث في إلغاء دور اللجان الشعبية بعد التحرير وعزلها عن العمل التطوعي الشعبي الذي أدار عجلة الحياة في أيام الغزو السوداء.
إعلان الوطن، دائرة انتخابية واحدة، هو بلا شك حلم رومانسي جميل، غير أنه في عالم اليقطة يعني خطوة أولى نحو إلغاء التبعية، والولاء لغير الوطن.
فهو في عالم اليقظة يشكل ثورة إجرائية تتقلص معها مصالح أطراف كثيرة، لصالح الوطن العام، هو حلم جميل غير أن المشكلة هنا أن الواقع لا تصنعه أحلام الآخرين!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى