
** في الكويت قصور واضح يتمثل في غياب التكتلات السياسية عن ساحة العمل البرلماني والسياسي بحيث أصبح مجلس الأمة قناة التعبير الوحيدة عن الإرادة والحرية السياسية، لذا، يأتي الإعلان عن التجمعات السياسية خطوة في الطريق الصحيح **
لم يستطع البعض إخفاء قلقه المتزايد من الإعلانات الأخيرة عن تكوين تجمعات سياسية، كان أحدها التجمع الوطني الديمقراطي الذي نشرت الصحف تفاصيل اجتماعه التأسيسي. ومصدر القلق هذا يعود إلى خوف هؤلاء البعض من احتمال شق الوحدة الوطنية وتجزئة المجتمع الواحد.
إن أحداً لا ينكر أن الإعلان عن تلك التجمعات يعتبر خطوة في الطريق الصحيح. وبصرف النظر عن اتفاقنا مع ما تطرحه من رأي وفكر، أو ما تعلنه من برامج وخطط، فإنها ولا شك تأتي متفقة مع التطور الديمقراطي لهذا الوطن، والإيمان بحق الأفراد في التعبير عن ميولهم وتطلعاتهم السياسية.
لقد عبر الوطن، شأنه شأن كل المجتمعات حديثة النشأة، بمراحل انتقالية عديدة في مسيرته السياسية، كان فيها نمط العلاقة بين الدولة من جهة والمجتمع من جهة أخرى متفاوتة بين اتفاق تام واختلاف طارئ.
وبينما كانت الأسرة أو العشيرة في بداية تكوّن المجتمع، هي الهيئة الوحيدة المعبرة عن أي تعارض يطرأ بين مصالح وشؤون المجتمع من جهة، وبين الدولة ممثلة بالإدارة السياسية من جهة أخرى، فإن الامتداد والتشعب اللذين شهدتهما الكويت منذ بداية الستينيات، قد خلق فئات كثيرة لا تمثيل لها في الإطار الضيق التقليدي للعشيرة والأسرة، يمنحها الحق في التعبير والمطالبة بمصالحها. وهو أمر قد ساهم وبصورة كبيرة في نشأة الجمعيات المهنية والتكتلات المعبرة عن انتماءات اجتماعية واقتصادية وطائفية. وبقيت التجمعات السياسية شبه محظورة حكومياً.. وغير محبذة اجتماعياً، وذلك لأنها كانت دائماً ما تُعتبر انشقاقاً عن مجتمع الأسرة الواحدة، وتحدياً للسلطة السياسية.
لا شك أن مجتمع ما بعد النفط قد شهد تمدداً وتشعباً اجتماعياً واقتصادياً عن مجتمع ما قبل النفط، كما شهد تطوراً ونمواً سياسياً، ومناخاً ديمقراطياً انتخابياً حراً. ومن الطبيعي أن يفرز تمدد كهذا، مستجدات ومتغيرات طالت الدولة كما المجتمع، وأثارت تخوفاً ورهبة لدى كلا الطرفين.
لقد عانى ويعاني التطور الديمقراطي السياسي في هذا الوطن من قصور واضح وسلبية تمثلت بغياب التكتلات والتجمعات السياسية عن ساحة العمل البرلماني والسياسي، وبحيث بقي مجلس الأمة، القناة الوحيدة للتعبير عن الإرادة والحرية السياسية.
لا شك أن المرحلة الحالية التي يعبر بها الوطن وخاصة في أعقاب الغزو، تتطلب الإفصاح والإعلان عن انتماءات سياسية طبقية مهنية جديدة، بخلاف الانتماءات الاقتصادية والقبلية التقليدية والتي كانت سائدة في مجتمع ما قبل النفط.
إن الإعلان عن هذه التجمعات، أياً كان خطها ونهجها، يعتبر خطوة في الطريق الصحيح نحو بناء الدولة الحديثة، والخروج من نطاق الدولة – القبيلة، إلى دولة المجتمع المدني المؤسساتي.
وهي خطوة تتطلب تفهماً ورعاية من الإدارة السياسية، لكي يتحقق الانسجام التام، بين الدولة والمجتمع، ولكي يصبح للمواطن الفرد ثقل وكيان لا يشترطان جذوراً اجتماعية أو اقتصادية.
وأمام مشاريع التجمعات هذه مهام وطنية حساسة، في أن تمارس تلك المشاريع مهامها ومسؤولياتها السياسية والمجتمعية، بصورة تجعلها منبراً وصوتاً للمواطنين، لا شعاراً شكلياً خاوياً. وأن تساهم في تنسيق العلاقة والاختلاف بين المجتمع والدولة بصورة تجعلها عنصراً أساسياً في البناء السياسي للوطن.
