غير مصنف

لكي لا يخترق الرصاص ضمائرنا

[جريدة الطليعة 18/6/1997]

على الرغم من كل مظاهر الحزن والأسى التي خلفها الاعتداء الآثم على شخص النائب الفاضل “عبدالله النيباري” وحرمه، إلا أن تداعيات حادثة الاغتيال البشعة هذه، والإخفاقات الكبيرة التي صاحبت أسلوب التفاعل والتعامل مع الحدث، جاءت بصورة مؤسفة لا تقل أسفاً عن الحادثة نفسها. فالرصاصات الآثمة التي اخترقت جسد عبدالله النيباري، قد تطايرت لتخترق ضمائر كثيرة، لوثها الفساد، وأحرقتها نيران الطموح الآثم المجرم.
هنالك ولا شك فوضى، متعمدة في أحيان كثيرة، لدى قراءة حادث الاغتيال. فوضى ساهمت في إشعالها الأطراف كلها وبلا استثناء، وإن تفاوتت النوايا بصددها. وهي فوضى تعكس مدى هشاشة البناء السياسي في هذا الوطن والذي غالباً ما يربكه ويقلقه أدنى استفسار يرفعه نائب في المجلس، أو يثيره مقال في صحيفة!!
يستطيع المتابع ولا شك، وبسهولة كبيرة أن يتبين خطأ مشتركاً يجمع بين كل حوادث العنف السياسي التي أربكت مسار الوطن الديمقراطي. وهو خط متصل ومتواصل فجره “حمد الجوعان” في مجلس 85 بطلبه الاطلاع على خفايا البنك المركزي، وأشعله إصرار مجلس الأمة آنذاك على ممارسة صلاحياته الرقابية، خاصة ما يتعلق منها بالفساد الإداري والمالي. وإذا كان العنف السياسي آنذاك للخروج من حلقة التوتر بين الحكومة والمجلس، تمثل في حل مجالس 1976، و1986. فإن الظروف الحالية والتي جعلت التجربة والممارسة الديمقراطية تحت مجهر المجتمع الدولي تعيق وبصورة كبيرة ذلك الشكل من العنف السياسي ولعله من سوء حظ النائب عبدالله النيباري أن تكون التصفية الجسدية هي الحل الوحيد المباح من العنف السياسي الآن.
إن أسلوب التعامل مع قضية اغتيال النيباري وردود الفعل بشأنها تؤكد وبصورة واضحة حالة عدم الاستقرار السياسي التي يرزح تحتها الجميع، فبالرغم من كل المحاولات الرامية إلى نسب الحادثة وإرجاعه إلى أسباب شخصية بحتة، إلا أن خطوطها المتشابكة تؤكد حقيقة اللااستقرار هذه، خاصة بعد أن اتضح من ملابسات الحادث، درجة تورط مؤسسات هامة بالدولة فيها، من خلال المواقع التي يحتلها المتهمون في حادث الاغتيال.
لا شك أن الاستقرار السياسي يعتبر رافداً أساسياً في بناء المجتمع والدولة. ومظاهر الاستقرار السياسي لا تنحصر فقط في بقاء واستمرار النظام السياسي القائم وحسب، بل في الأسلوب المتبع لضمان استمرار النظام القائم. والفرق لا شك كبير وجوهري بين استمرارية تضمنها مؤسسات وقوانين، وبرامج عمل. وبين استمرارية يكفلها العنف، وترسخها الاغتيالات والتجاوزات، ومهما بلغت محاولات الدولة للتنصل من دم النيباري فإنها لن تستطيع أن تنكر تورط ممثلين عنها ينتمون إلى وزاراتها الحساسة في عملية الاغتيال هذه.
الجريمة التي اقترفها هذا البعض بحق النائب الفاضل عبدالله النيباري هي بلا شك نتيجة طبيعية لواقع اللااستقرار السياسي الذي غالباً ما يجد في العنف والإرهاب ضالته في سبيل البقاء والاستمرار. وهي جريمة تؤكد مدى حاجتنا في هذا الوطن إلى تفعيل مؤسسات الدولة الرقابية.
لقد اخترقت الرصاصات التي أُطلقت على النيباري، جزءاً كبيراً من جسد الوطن وأصابت ضمائر كثيرة كان للكشف عنها وقع الصدم في نفوس العديد من المواطنين واهتزت معها الثقة في دور الدولة ونطاق نفوذها وفي حقيقة مقدرتها على محاربة الفساد الإداري والمالي ومتابعة المفسدين والمنتهكين للحق العام.
كما أبرزت تداعيات حادث الاغتيال حجم الاختراقات التي حققها البعض في جسد الدولة ومؤسساتها والتي تنذر بمزيد من فوضى اللااستقرار السياسي.
وحتى لا يخترق الرصاص ما تبقى من ضمائر، فإن المخرَّج السليم من هذه الفوضى السياسية، لن يكون إلا بانتهاج موضوعية أكثر، ومسؤولية أكبر، وإخلاص بلا حدود، في معالجة اغتيال النائب!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى