
**الندوة التي عقدها النائب حسن جوهر أظهرت أن هناك انشقاقاً خطيراً وتناقضاً في الرأي يتطلبان مراجعة للتوصل إلى قرار توافقي يحد من فوضى التعارض في رسم سياسة الدولة والأخذ بها**
***
الندوة الجماهيرية التي عقدها النائب حسن جوهر في ديوانيته، لا شك أنها كانت محور حديث الكثيرين طوال هذا الأسبوع فقد عقد النائب جوهر ندوة حضرها عدد غفير من المواطنين، تحدث فيها عن واقعة استبعاده من اللقاءات الرسمية التي كان سيعقدها ضمن الوفد البرلماني مع بعض رجال السياسة الأمريكيين في واشنطن.
كذلك تطرق النائب جوهر للعلاقة مع واشنطن بشكل خاص، وللموقف الأمريكي المساند لإسرائيل ولحمى التسلح في المنطقة، بالإضافة إلى مواضيع أخرى ذات علاقة مباشرة بهذه القضايا..
لا ينكر أحد على الإطلاق أن حديث النائب الفاضل يحوي حقائق كثيرة، إن لم يكن قد أصاب قلب الحقيقة في الكثير مما ذكر. فالدور الأمريكي المباشر في مؤازرة الكيان الصهيوني أمر لا ينكره أحد، بل أصبح من الأمور المثيرة للنقد، والمسببة لحالة التحفظ تجاه الدور الأمريكي في حرب تحرير الوطن، والتي أصبح يعبر عنها الكثير من المواطنين، وخصوصاً بشأن صفقات تسلح أمريكية عفا عليها الزمن، وتجاه الاحتكار الأمريكي لعمليات شراء الأسلحة والعتاد.
كما أن أحداً لا ينكر على النائب حسن جوهر الحق في التعبير عن رأيه قولاً وكتابة، وفي أن يكون له تصوره الخاص ونظرته إلى الأمور السياسية والاقتصادية.
إذاً، فلا اعتراض على ما سجله النائب جوهر ولا على ما أعلنه من رأي، غير أن ذلك لا يمنع أن يكون هناك ملاحظات ووقفات تتعلق بخلفية الندوة التي عقدها النائب، وبأثرها وانعكاساتها على الواقع السياسي في هذا الوطن بشكل عام.
فحديث النائب الفاضل، وبخاصة الشق المتعلق بالعلاقات الاقتصادية والسياسية مع واشنطن، هو لا شك يأتي متناقضاُ وبصورة كبيرة مع البرنامج السياسي للدولة.
ومع الأخذ بمكانة النائب السياسية، باعتباره عضواً في إحدى السلطتين. فإن تناقض رأيه عن النهج السياسي العام، وبهذه الصورة القوية لا شك يعكس حالة الفوضى وعدم التنسيق التي يعاني منها الجسم السياسي في هذا الوطن.
فالنائب حسن جوهر في حديثه عن السياسية الخارجية للدولة، وبالذات العلاقة مع واشنطن، لم يعبر عن اختلاف في الرأي وحسب، وإنما يعكس انشقاقاً خطيراً وتناقضاً في الرأي، وهو تناقض لا شك يتطلب مراجعة من قبل الدولة للتوصل إلى قرار توافقي يحد من فوضى التناقض والتعارض في رسم سياسة الدولة والأخذ بها. فهنالك بلا شك آخرون ممن يؤيدون رأي النائب جوهر، وهؤلاء جميعاً تقع عليهم مسؤولية الفصل في ذلك التعارض، والذي لن يؤدي إلى قرار سياسي موزون، بقدر ما سيدفع إلى مزيد من الفوضى السياسية واللااستقرار.
ندوة النائب جوهر أثارت ولا شك ذلك الجانب من اللاتنسيق والفوضى في العمل السياسي بشكل عام، سواء في رسم السياسة الخارجية أو الداخلية. وهي فوضى بلغت أقصاها من خلال أسلوب التعامل الرسمي مع قرار واشنطن باستثناء النائب جوهر من حضور اللقاءات الرسمية. فالنائب لم يتلق إخطاراً بقرار المنع، ومجلس الأمة متردد في الإفصاح عن الصورة التي تلقى فيها القرار. وعما إذا كانت بصفة رسمية أم أنها كانت شفهية مما أدى إلى ترك النائب يجرب حظه وأن يستمر في مرافقة الوفد دون أي ضمانات باستقباله هناك.
لقد جاءت ندوة النائب حسن جوهر في توقيتها المناسب، لنعيد، على ضوء دلالاتها ومؤشراتها، بناء خطوطنا السياسية العريضة، حتى نستطيع الاختلاف من خلالها وفي إطارها. أما أن تكون كل الخطوط هي محور اختلافنا، فإن ذلك ينذر بخطر سندفع جميعاً ثمناً باهظاً له.
فبقدر ما يشكل الاختلاف في الرأي والقول، مصدراً لتنقيح القرار وإعادة النظر فيه باستمرار، يأتي التعارض الحاد ليكون مدخلاً لمأزق جديدة.
