غير مصنف

صحوة برلمانية أم غفوة؟!

[جريدة الطليعة 6/5/1998]

على الرغم من انقضاء ما يزيد على نصف المدة المقررة من عمر المجلس، إلا أن المواطن لم يخرج بأي من القرارات أو المبادرات التي كان يرجوها من المجلس ومن نوابه الأفاضل!!
وكلما مضى الوقت، يدرك الجميع أن التصفيات السياسية هي أولى أولويات هذا المجلس!! وهو أمر كان واضحاً من خلال عنف الطرح، وهامشية القضايا المطروحة!! فعلى الرغم من كل المآزق والمشاكل القائمة، إلا أن قضايا النقاب، والحفلات وما يجوز وما لا يجوز، قد سيطرت وبصورة كبيرة ورئيسية على كل ما يطرحه نوابنا الأفاضل تحت قبة البرلمان!! مما يؤكد أن نوايا الإصلاح لدى هؤلاء زائفة ومفتعلة في أغلبها إن لم يكن كلها!! وأن الخصومة الشخصية، والعداء (الحزبي)، والاختلاف الفكري، هي أساس تحركات بعض النواب الأفاضل!! فكل مشاكل وزارة التربية انتهت وزالت مع زوال الدكتور “أحمد الربعي” وزير التربية الأسبق!! وجميع سلبيات التعليم، والمنهج، والمدرس وكل تذمرات الطلبة بدءاً بحجم حقيبة المدرسة، وانتهاء بمعدلات القبول في الجامعة، قد تم حسمها، بانتهاء فترة الدكتور “أحمد الربعي”!!
واليوم حينما يتحدث ذلك البعض من النواب عن إخفاقات وزارة الصحة، وعن تدني المستوى الطبي والعلاج، وعن النوايا القائمة لاستجواب وزير الصحة، فإن حديثهم هذا يثير سخرية وإستياء لدى المواطن، ليس لأن وزارة الصحة، وأسلوب العلاج والتطبيب بحالة جيدة، وليست بحاجة إلى مبادرات برلمانية إصلاحية وتصحيحية!! وإنما لإدراك المواطن أن الخلافات الشخصية والحزبية المحدودة الأهداف هي وراء ثورة أولئك النواب التصحيحية على جهاز الصحة!! خاصة أن التدهور العلاجي والطبي كان دائماً يتصدر أولى أولويات المواطن، مما يتناقض تماماً مع توقيت (الصحوة) البرلمانية الزمني، والتي أتت متأخرة جداً تجاه مأزق كهذا.
لقد أدى افتعال الأزمات تحت القبة البرلمانية، إلى فوضى في سلّم الأولويات بدت واضحة لنا كمواطنين من خلال ذلك التراجع الملموس في أداء مؤسسات الدولة بشكل عام. كذلك لقد انعكس ذلك النهج (الإصلاحي) البرلماني على أسلوب الاختلاف وأدواته ولغته، بحيث انفرد بروح العنف التي ميزت أطروحات أعضائه!! وبأسلوب الهجوم الخالي من أدنى درجات الموضوعية والتجرد. ولعلَّ من الشروط الرئيسية في أي نقد حضاري بناء وهادف، أن لا يرتكز ذلك النقد على تفاصيل هامشية لا تخدم القضية موضع النقد!! وكما جاء في طرح نائبنا الفاضل، الذي ترك كل ما تعاني منه وزارة الصحة من قضايا وإشكاليات ومأزق، ليصب نقده وهجومه في شخص وزير الصحة وفي تاريخه ومرجعه الأكاديمي والتعليمي!!
ولعلَّ أكثر الأمور مدعاة إلى السخرية والنقد والأسف كذلك، أن هذا البعض من النواب مفتعل (الصحوة البرلمانية الإصلاحية) هو أكبر المعوقات نحو إصلاح مؤسسات الدولة وتصحيح أدائها من خلال القفز فوق القوانين، واستخدام اللقب البرلماني في وساطات ومحسوبيات هي رصيد هؤلاء الدائم في حملاتهم الانتخابية!!
قد لا ينكر أحد حق كل فرد بأن يكون له انتماء معين تجاه فكر أو طرح أو تيار ما، بل أن أبرز ملامح الديمقراطية، هي في كونها الأداة التي تخرج تلك الانتماءات إلى السطح وتنظمها، وتضع قوانين وأسس الاختلاف فيما بينها بالصورة التي تضمن عنفاً أقل وحضارية أكثر في التعبير عن تلك الاختلافات.
إذاً ليس الخلاف هنا على اختلاف الرأي والفكر. ولا على حق النائب في التعبير عن ذلك الاختلاف!! وإنما هو خلاف حول أدوات التعبير تلك، وأهداف الاختلاف. ولكي يكون كلامنا ملموساً أكثر، سنستشهد ببعض من الشواهد التي تؤكد ذلك، (فالصحوة البرلمانية) التي أعلنها بعض النواب في وجه وزير الإعلام لم تمس أياً من سلبيات الجهاز الإعلامي الحقيقية، بقدر ما كانت موجهة إلى شخص الوزير!! كذلك كانت (صحوة) هؤلاء بشأن أداء وزارة التربية، والتي زالت أسبابها مع زوال شخص الوزير!! وغيرها كثير وقائم على الرغم من كل محاولات الإنكار والتمويه التي يمارسها ذلك (البعض البرلماني)!!
للصحة سلبياتها، وللتعليم مشاكله، وللإسكان أزماته، وللاقتصاد إخفاقاته، هموم كثيرة، ومشاكل أكثر، تتطلب موضوعية في الطرح، وتجرداً في الهدف والغاية، وقبل كل شيء، وعي من المواطن لمسؤوليته المباشرة في تراجع أولوياته وتردي مؤسسات الدولة، فهو صاحب الكلمة الأولى في من يدخل المجلس، ومن لا يدخل!! ولعلَّ تجربة المجلس الحالي قد أثرت المواطن، وأكدت له أن هنالك فرقاً شاسعاً بين (الصحوة) و(الغفوة)!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى