غير مصنف

المادة الثانية.. والقراءة المغرضة

[جريدة القبس 11/5/1998]

في أولى ندوات مؤتمر كلية الشريعة حول “الكويت والتحديات الفكرية” أثير وكالعادة موضوع تعديل المادة الثانية!! بعض الآراء رأت في أن الاعتراض على تعديل المادة الثانية من الدستور الكويتي ينطلق من إنعدام الحاجة للتعديل، واعتبار أن النص الحالي للمادة كاف ولا يمنع المشرع من الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية، وقد كان ذلك رأي السيد أحمد الديين الذي برر اعتراضه على التعديل بكونه سيحيل الكويت إلى دولة دينية!!
في الجانب الآخر دافع الدكتور محمد المقاطع عن مبدأ التعديل مؤكداً أن حكم المادة الثانية بعد تعديلها سيكون خطاباً مستقبلياً يفرض على المشرع وضع تشريعاته المستقبلية وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية!!
لا شك بأن تعديل المادة الثانية يحمل في طياته إنكاراً لكل القوانين “الوضعية” والتشريعات والممارسات القانونية المعمول بها!! حتى وإن حاول المؤيدون للتعديل إنكار ذلك أو رفضه!! بمعنى آخر أن التعديل يحوي دعوة لقيام دولة دينية لا تشوبها أي من “شوائب” العقل والفكر البشري، واستنتاجاته التي بناها الإنسان على مدى سنوات طويلة!! ولا اعتراض هنا على تحكيم الدين والقرآن في كل شؤون البشر، فمن المؤكد أن الدين يعتبر عنصراً هاماً ورئيسياً في كل مشاريع النهضة البشرية!!
إذاً، ليس ذلك هو محط خلاف أو اعتراض من الأطراف كلها!! لكن الخلاف هو أن التحول إلى دولة دينية، أو العمل على تعديل المادة الثانية، يعني الاستناد إلى القرآن الكريم في كل التشريعات، والقوانين، وهو أيضاً لا خلاف حوله إطلاقاً!! غير أن القرآن ككتاب منزل من الله سبحانه وتعالى، ونص ثابت يتطلب تأويلاً بشرياً، كان ولا يزال مثار خلاف واختلاف في الأمة الإسلامية بشكل عام!! والتاريخ الإسلامي يزخر بمحاولات رائدة لتأويل النصوص بالصورة التي تحفظ للإسلام خاصيته الفريدة كونه صالحاً لكل زمان ومكان!! فباستثناء نصوص العقائد والقصص، فإن اختلاف الاجتهاد في الزمان، والمكان بما يتعلق بالنصوص التشريعية قد كان قائماً عبر التاريخ الإسلامي!! ولعل في إلغاء الخليفة عمر بن الخطاب لحكم الخُمس والذي نزل فيه نص واضح وصريح ما يؤكد شرعية التأويل البشري للنص القرآني!! فمن المؤكد أن عمراً G لم يهدف إلى مخالفة القرآن والنص، وإنما إلى تأويل زماني ومكاني مختلف وجديد، على الرغم من ثبات النص. Fﵟوَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَـىٰ وَٱلۡيَتَٰمَـىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِﵞ ﵝالأَنفَال : ﵑﵔﵜ a.
بل إن القرآن الكريم، يزخر بإشارات إلى أهمية التأويل. F ﵟيَوۡمَ يَأۡتِـي تَأۡوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّﵞ ﵝالأَعۡرَاف : ﵓﵕﵜ a (سورة الأعراف)، كذلك يقول: F: ﵟوَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ إِذَا كِلۡتُمۡ وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِۚ ذَٰلِكَ خَيۡـرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلٗا ٣٥ﵞ ﵝالإِسۡرَاء : ﵕﵓﵜ a.
ولعلَّ في قصة نبي الله موسى ما يشير إلى أهمية التأويل بقصد الفهم الجيد!! فحين نفد صبر موسى عليه السلام، ولم يستطع الصبر قال له العبد الصالح: F ﵟسَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِيلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَيۡهِ صَبۡـراً ٧٨ﵞ ﵝالكَهۡف : ﵘﵗﵜ a.
وبعد الانتهاء من تأويل ما رآه موسى خلال مرافقته للعبد الصالح الخضر، قال له هذا: F: ﵟذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡـرٗا ٨٢ﵞ ﵝالكَهۡف : ﵒﵘﵜ a.
لذا، فإن التخوف والحذر اللذين يبديهما البعض تجاه مشاريع التيارات الدينية الحديثة بالاحتكام للشريعة فقط دون الأخذ بالقوانين البشرية الموضوعة!! ليس تخوفاً من الشريعة، ولا تشكيكاً في العدالة الربانية المنزهة!! وإنما هو حذر من التأويل البشري، الذي سبق وأن استخدمه الكثيرون في تبرير أغراض دنيوية وسياسية بحتة!! كان أشهرها تحكيم معاوية للمصاحف في حربه ضد أهل البيت، وأحدثها تنقيب البعض في النص القرآني عن حجة لتبرير الصلح والسلام مع إسرائيل!!
وهو ما تمارسه الآن حركات الإسلام السياسي في هذا الوطن، في تباكيها على “الخلل” في المادة الثانية، من خلال استنادها إلى تأويل بشري خالص، في سبيل تأكيد حجتها بأن لا تناقض هناك بين تعديل المادة الثانية، وبين ما تنص عليه المادة الرابعة من صورة الحكم في الكويت!! حيث يقول الدكتور محمد المقاطع في مؤتمر كلية الشريعة أن الحكم القائم على أسس وراثية في الكويت، هو لا يتناقض مع الشريعة، بل أمر درجت عليه الدول الإسلامية منذ الدولة الأموية، وله من يؤيده من العلماء المسلمين المعتبرين، وعلى حد قوله!! هي إذاً القراءة المغرضة، والتأويل السياسي، الذي يخشاه المعارضون لتعديل المادة الثانية!! وليس تحكيم الشريعة والقرآن!! وهي القراءة التي استخدمها الدكتور المقاطع في سرد حجته وتبريرها، والتي دفعت بالدكتور الفاضل للاستناد إلى التاريخ الإسلامي حين لم يجد نصاً قابلاً لتأويل سياسي يخدم حجته ويُشرّعها!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى