غير مصنف

البعض البرلماني المتغيب!!

[جريدة القبس 18/5/1998]

إن أي عملية إصلاح، أو أي مشروع تنموي، لا يمكن أن يكونا واقعيين ما لم يسبقهما إحساس بالمسؤولية وأمانة في الأداء!!
فبدون هذا الإحساس وهذه الأمانة، تكون كل المساعي الإصلاحية، محض افتراء، وشكليات لا أكثر ولا أقل!! وهذا بالتحديد ما أصبح المواطن يلمسه ويحسه في أداء البعض من البرلمانيين!!
فبالإضافة إلى هامشية القضايا المطروحة على مائدة المجلس والتي أصبحت مثيرة للأسى والأسف، هنالك النهج اللامسؤول والذي أصبح يميز ذلك البعض البرلماني، بصورة تعززها وتؤكدها جلسات مجلس الأمة، ومضابطها!! فالتغيب المستمر لذلك البعض عن الجلسات الرسمية للمجلس، وبلا عذر يذكر، لا يعكس ذلك النهج اللامسؤول وحسب، وإنما يؤكد أيضاً درجة قناعة هؤلاء وإدراكهم لأهمية وحساسية الدور المنوط بهم، وللأمانة التي هي في أعناقهم، باعتبارهم ممثلين للشعب، ومؤتمنين على قضاياه وشؤونه!!
قد لا تكون الصدفة وحدها، هي التي جعلت القاسم المشترك هو الانتماء الفكري الواحد، حيث يشترك هؤلاء في رسم أولويات للعمل، لا تراعي حجم المسؤولية، ولا درجة الأمانة الواجب توفرها في ممثل الشعب وفي أي مكان كان!! وإذا كنا كمواطنين قد أدركنا ذلك الخلل من خلال ما يطرحه ذلك البعض من قضايا، فإن تغيب هؤلاء المتكرر لجلسات المجلس يعكس، ولا شك، درجة اللامسؤولية التي تميز أداءهم وعملهم بشكل عام!!
إن الذين عاصروا كل المجالس المنتخبة، ومنذ فجر العمل البرلماني في هذا الوطن، يؤكدون أن ما يعاني منه المجلس الحالي من فقدان متكرر للنصاب، وتغيب مستمر للأعضاء المنتخبين، يعتبر ظاهرة ينفرد بها هذا المجلس، بصورة أصبحت تثير القلق، وتتطلب إجراءات عاجلة لتقويمها!! ليس لأنها تقف عائقاً أمام الأداء والعمل بشكل عام، وإنما لأنها أصبحت تدفع بالبعض – خاصة من الجيل الأصغر عمراً وتجربة – للشك في أهمية وحساسية الدور الذي يلعبه المجلس، والنائب المنتخب في ما يتعلق بالقرار والأداء بشكل عام!!
حتى لقد فتر حماس جيل اليوم، وتراجع إصرارهم على ضرورة الذود والدفاع عن مكتسبات آبائهم وإنجازاتهم الديمقراطية!!
وعلى الرغم من أن القانون صريح وواضح في ما يتعلق بعدم الالتزام، والتغيب المستمر عن الجلسات، إلا أنه، شأنه شأن القوانين الأخرى، يبقى مؤجلاً ومعطلاً!! وهو ما يخلق تناقضاً مضحكاً ومؤسفاً في آن واحد!! حين تكون الجهة المخولة بوضع القوانين وصياغتها ممتنعة ومترددة عن استخدام تلك القوانين وتنفيذها!!
نحن جميعاً نتذمر في كل يوم، وفي كل موقع من درجة التسيب الوظيفي، وعدم الالتزام سواء بالعمل أو بالتواجد في مكان العمل!! مما انعكس سلباً على أداء كل مؤسسات الدولة.. من دون أن يكون هنالك مخرج لهذا المأزق السلبي!! بل وعلى العكس، فهو أخذ في التزايد، وسيتضاعف طالما بقي نهجاً على المستوى القيادي والذي يفترض فيه أن يكون قدوة ورائداً في حسن الأداء ودقة العمل!! لا مثالاً للتهاون وعدم الأمانة في العطاء والواجب!!
إن مسؤولية التراجع في أداء مجلس الأمة بشكل عام، والتي تأتي ولا شك كنتيجة طبيعية ومتوقعة للنهج اللامسؤول لبعض النواب، هي مسؤولية يتحمل المواطن الشق الأكبر فيها، فهو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في من يدخل المجلس ومن لا يدخل!!
ولو أن كل من يملك الحق في الانتخاب أجرى حسبة بسيطة لتكلفة إعادة انتخاب ذلك البعض البرلماني غير الملتزم بالأداء والحضور، لأيقن حجم المسؤولية الملقاة عليه كجزء من ذلك الحق الانتخابي، ولأدرك مسؤوليته المباشرة كناخب في تعليق قضاياه وتأجيل البت في مشاكله وأزماته من خلال مساهمته في إعادة بعض النواب على الرغم من كل شواهد القصور في أدائهم لدورهم النيابي!!
إن العمل، أياً كانت وجهته ومجاله، يحوي من القدسية ما يرفعه إلى مرتبة العبادة وروحانيتها وقد لا نكون بحاجة لتذكير ذلك الشق البرلماني المتغيب بأن الله ورسوله يحبّان إذا عمل أحدنا عملاً أن يتقنه!! وبأن العمل عبادة لا يقل أجرها عن سائر العبادات!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى