
حين تم تشكيل الحكومة الحالية بعد الانتخابات البرلمانية في أكتوبر الماضي. ارتفعت أصوات كثيرة، يدفعها الإخلاص الصادق للوطن، محذرة ومشككة في مقدرة الحكومة المعينة على مواجهة متطلبات المرحلة الحالية. ولقد كانت أصوات لا يدفعها طموح وزاري، ولا منصب إداري بقدر ما تؤججها مشاعر وأحاسيس المسؤولية المباشرة تجاه حاضر الوطن ومستقبله.
ولقد اُتهمت تلك الأصوات حينها، بكونها متهورة ورعناء، بالإضافة إلى التشكيك في وطنيتها وإخلاصها.
اليوم ومع تهاوي أركان هامة من حكومة أكتوبر، ومع توالي مسلسل الإخفاقات الوزارية، ومع تصاعد الشكوك في ذمم البعض منهم، وسوء إدارتهم وإخلاصهم. تتحقق نبوءة تلك الأصوات المخلصة، فيسقط وزير المالية في مستنقع الفساد ويتورط وزير العدل فيخلط القضاء بالسياسة.
لا نريد أن نقول أن أياً من الوزراء بمعزل عن الطبيعة البشرية، أو أنه معصوم عن الخطأ، بل وبسبب تلك الخاصية البشرية، فإن مؤسسات الدولة دائماً ما تكون تحت مجهر الرقابة الشعبية وذلك هو أساس النهج الديمقراطي، والبرلماني الحر. وسواء كان في حالة وزير المالية أو وزير العدل، فإن المجهر الشعبي قد رصد أخطاء جسيمة أصابت جسد الوطن، من وراء أخطاء وتجاوزات مالية وإدارية لكلا الوزيرين، نحن بلا شك، لا نزال في طور مشروع الدولة حيث تشكل التراكمات والتجارب لبنات أساسية في بناء الدولة وقوامها.
وتجربتنا اليوم مع وزيري المال والعدل، تشكل تحدياً لنا جميعاً، واختباراً جاداً عن مدى فعالية مؤسسات الدولة ومقدرتها الإدارية والرقابية.
إن أي مشروع نهضوي أو تنموي، بل وأي محاولة لإصلاح وضع ما، لا يمكن أن تحدث من فراغ، فنحن بحاجة أولاً إلى تحقيق مشروع الدولة، التي ستحتضن مشاريعنا التنموية والإصلاحية وهو مشروع قد عبر من قبل بمحطات قلق وتوتر، أدت إلى دورات انقطاع، سواء من خلال حل مجلس الأمة، أو من خلال إغلاق بعض المؤسسات والهيئات المدنية، كنادي الاستقلال على سبيل المثال. أو حظر بعض التجمعات السياسية أو من خلال تقليص الحرية الإعلامية، وفرض الرقابة على الصحافة، مما أدى إلى تفاوت واضح بين نمو المجتمع من جهة، ونمو الدولة من جهة أخرى. فعلى الرغم من أن هنالك اختلافات في المجتمع مبعثها طائفي أو اقتصادي أو اجتماعي إلا أن المجتمع في طريقه لتجاوزها بينما لا تزال هذه التقسيمات والاختلافات مسيطرة على جهاز الدولة، بل إن الدولة تسعى في أحيان كثيرة لإحياء تلك الاختلافات، واستخدامها بصورة مؤسفة ومقلقة.
لقد أكد المجتمع بأفراده ومواطنيه، من خلال تفاعله وردود فعله تجاه المال العام، والفساد الإداري، والعنف السياسي، على درجة النضج التي أصبح عليها المجتمع بصورة عامة، والتي اتضحت من خلال إصراره على القفز فوق اختلافاته السياسية والعقائدية والإصرار على التمسك بالاختلاف ضمن إطار المؤسسات والقنوات الصحيحة، بينما أكدت الدولة من خلال ممارساتها وتعاملها مع قضايا الفساد التي تصاعدت مؤخراً، أكدت على درجة التفكك التي تعاني منها الدولة، وعلى غياب وتشرذم أهدافها وبرامجها.
هنالك ولا شك فضيحة قضائية ارتكبها وزير العدل، وهنالك أيضاً تجاوزت مالية ومساس بالمال العام، يتحمل وزير المالية تبعاتها، كذلك تقف قضية اغتيال النائب “عبدالله النيباري” وبما حوت من تفاصيل وذيول، تقف كقضية مشتركة ساهمت فيها أطراف هي في قمة هرم المسؤولية في الدولة.
وفي خضم هذه الفوضى، يقف المواطن متطلعاً وآملاً إلى قرار سياسي صائب يعيد الأمور إلى نصابها، والحقيقة إلى مكانها، والحق إلى صاحبه وأهله!!
نحن كثيراً ما نسمع المسؤولين وأصحاب المناصب والكراسي يرددون دائماً مقولة: إن المنصب القيادي مسؤولية جسيمة، وإن كرسي الوزارة تكليف قبل أن يكون تشريفاً. وهم الآن يقفون أمام امتحان حرج لاختبار صدق مقولتهم هذه. فهل يتحمل وزيراً العدل والمالية، مسؤولية الشق المر لطبيعة المنصب بعد أن رتعاً وتمتعاً طويلاً بشق المسؤولية الحلو!!
