
**عندما يدعو النائب علوش، ويؤيده زميله الطبطبائي إلى مسيرات شعبية مناوئة لإعادة العلاقات مع الأردن، فهما سيتظاهران ضد من؟ لا سيما أن مجلس الأمة يملك صلاحيات تؤهله لرسم الخريطة السياسية ووضع تصوراته المؤثرة لها والتي ستكون أوقع بكثير من الاحتجاج بالتظاهر**
كشف النائب عايض علوش في تصريح صحفي خاص (الوطن 2/6/97) عن احتمال تنظيم مسيرات شعبية مناوئة لتطبيع العلاقات مع الأردن يكون في مقدمتها جمع من أعضاء مجلس الأمة، مؤكداً حجم الرفض الشعبي لإعادة تلك العلاقات، كما أيده النائب وليد الطبطبائي والذي أكد أن بعض النواب قد طرحوا فكرة الخروج بمظاهرات شعبية إذا ما انفردت الحكومة بقرار عودة العلاقات مع الأردن.
نحن، بلا شك، نحترم حق النائب علوش في التعبير عن رأيه بأي صورة كانت، فحرية الرأي، وكما نص على ذلك الدستور، مكفولة لكل فرد. كما يشارك أيضاً الكثير من أبناء هذا الوطن النائب علوش في استيائه من هذه الصورة المبهمة في إعادة العلاقات مع الأردن، غير أن ما يثير الدهشة والاستغراب في تصريح النائب علوش وزميله الطبطبائي هو أن تكون التظاهرات صورة من صور التعبير والاحتجاج لمن يفترض أن يكون من المساهمين، وبصورة مباشرة، في صناعة القرار السياسي وصياغته، وفي وضع التصورات والبرامج السياسية الحاضرة والمستقبلية منها.
لا شك أن احتجاج النائب (علوش) بهذه الصورة، يرفع تساؤلات طالما بقيت عالقة حول أولويات البناء السياسي.. وعمن يأتي أولاً: الدولة أم الديمقراطية والنظام السياسي الحر؟ وتلك جدلية قد يرى فيها البعض جدلية مشابهة لجدلية: البيضة أولاً أم الدجاجة؟!
غير أن ما حوته تجارب الآخرين تدحض ذلك التشبيه وترفضه. فالثورة الفرنسية لم تكن لتقوم دون أن يحتويها إطار الدولة الراسخة في عصر لويس الرابع عشر، لتنشأ الثورة الفرنسية في ما بعد من رحم تلك الدولة، وأن تواصل دولة نابليون بعد ذلك، ما رسخته وأنجزته دولة لويس الرابع عشر.
ومع احترامنا لحرية النائب علوش وحقه في التعبير، إلا أن دعوته للتظاهر هي بلا شك تفتقد رحماً يرعاها وينضجها، فمن هي الجهة التي سيتظاهر النائب ضدها؟! وما هو الإطار الذي سيحتوي تلك الدعوة ويغذيها لتصل إلى هدفها؟! كل هذه شروط تفتقدها دعوة النائب علوش، كما تفتقدها مشاريع أخرى كثيرة في هذا الوطن، بقيت في إطار الخطوة الأولى وتلاشت قبل أن تحقق أدنى إنجاز.
لا شك أن لا أحد يرمي إلى أن يقلل من جهد أصحاب الدعوات الإصلاحية، ولا من شأن بعض الاجتهادات الفردية والجماعية، سواء كان ذلك في تظاهرات النائبين علوش والطبطبائي أو غيرهما. غير أن الواقع الملموس الآن قد أصبح يُصر وبإلحاح على ضرورة ترسيخ بناء الدولة، وإنضاجها، والخروج بها من الدائرة التقليدية الضيقة، والشروع في ترسيخ مقوماتها ومؤسساتها، لكي تحتوي تلك الإصلاحات، وحتى تقوم تلك التظاهرات في إطارها.
لقد مرَّ زمن ليس بقصير، قياساً بعمر الوطن، على بدء التجربة البرلمانية، والتي كانت مدخلنا الأول نحو تشييد الدولة وبنائها بصورة حديثة. وقد حققت جهود البعض ثمرات جنيناها، حين أصبحنا رمزاً للتجربة الديمقراطية، واليوم تكاد إخفاقات البعض أن تعصف بذلك الإنجاز. بعد أن أصبح البركان، مدخلنا إلى الدولة الحديثة، مهمشاً ومستضعفاً. مجلس الأمة، بأعضائه وبمن فيهم النائبان علوش والطبطبائي يملك صلاحيات تؤهله لرسم الخريطة السياسية، ووضع تصوراته بصورة فعالة ومؤثرة وأوقع بكثير من التظاهرات الاجتماعية التي يلجأ إليها من لا يملك عضوية في مؤسسة الدولة الحديثة، لا من يكون في سدة التشريع، والرقابة.
إن الفرق الأساسي بين مجتمع الدولة واللادولة أن عضوية الأول تحوي تنظيماً دقيقاً يسهل التحرك والاحتجاج من خلاله.. بينما تلف العشوائية والفوضى أركان اللادولة، فيكون التصادم هو أساس العلاقة ومحورها!!
