غير مصنف

التغيير بالاستفتاء لا بالسكين

[جريدة القبس 22/9/1997]

**بعد 300 سنة أحيت أسكتلندا برلمانها بالاستفتاء، إنها الديمقراطية الإنكليزية العريقة.. ديمقراطيتنا العربية لم تتجاوز حلقة صندوق الاقتراع الضيقة والمطلوب وعي جديد يدرك حاجتنا إلى واقع سياسي واجتماعي معاصر يبدأ من ممارساتنا وعقولنا**
يستشف العقلاء من خلال متابعة طوفان المتغيرات والمستجدات في بحر الحياة الحديثة، حقيقة راسخة تدعو إلى أن المطلق والثابت الوحيد في هذه الحياة هو التغيير، وأن لا ثوابت ولا مسلمات تبقى دون أن تطالها آلة التغير أكان سلباً أم إيجاباً، ولعلَّ إدراك الجسم السياسي البريطاني لهذه المسلمة هو الذي جعل الأسكتلنديين يحيون في استفتاء حضاري برلمانهم بعد ما يقارب الثلاثمائة عام من التوقف. حيث شهدت أسكتلندا إعادة لبرلمانهم من خلال استفتاء عام وبتأييد ٪74.3 من مواطنيها وبذلك يتشكل برلمان وطني هو الأول منذ حُل برلمانها في العام 1707 وبينما عبر رئيس الوزراء البريطاني عن غبطته لما رأى من شجاعة وثقة بالنفس من قبل المواطنين الأسكتلنديين فقد جاءت كلمة أحدهم موثقة ومعبرة عن ذلك، حين عبَّر عن سعادته بقوله أنه وأقرانه قد حققوا بالسلم وبالاستفتاء الحضاري مكسباً سياسياً دون الحاجة إلى سلاح أو ذخيرة أو إراقة دماء.
الديمقراطية الإنكليزية هي من أعرق الديمقراطيات البشرية – إرثاً ونهجاً وممارسة – وهي، لا شك وكما رأينا في المثال الأسكتلندي لم تكن وليدة الساعة، ولم تأتِ بقرار جمهوري أو ملكي وإنما هي أصبحت واقعاً ممارساً عبر سنوات طويلة من التجربة والخطأ.
نحن نتوق بلا شك وكمجتمعات عربية، لأن نحظى بشيء من ذلك النضج الديمقراطي الإنكليزي غير أن مشكلة الديمقراطية العربية، وبوجه عام، كانت دائماً ولا تزال بانتظار “القرار” الذي سيبيح لها الانطلاق والانعتاق من أغلال الديكتاتوريات العربية بكافة أشكالها.
الديمقراطية، ليست قراراً، بل هي وعي بحتميتها كنهج مثالي للتعايش البشري، وإدراك لوجوب ممارستها قبل اتقانها، ونحن بلا شك، حكاماً ومحكومين، لا نحسن النطق بالديمقراطية لسبب بسيط وهو أننا لم نمارسها، أو أننا نمارسها كسياسة لا كنهج، وكشعار يرفعه المرشحون في حملاتهم الانتخابية، ويدركه الناخبون إبان حمى الانتخابات، لذا فقد تجمدت كل التجارب الديمقراطية العربية، ولم تستطع أن تحقق مكاسب شعبية ملموسة وتقوقعت كلها في مهرجانات الخطابة والإعداد للانتخابات، ولم يتجاوز نصيب المواطن من العمل الديمقراطي حلبة صناديق الاقتراع.
وسواء أكانت ديمقراطية الكويت، أم ديمقراطية لبنان، اللتان تعتبران من أشهر الديمقراطيات العربية فإن المناخ الديمقراطي بقي محصوراً في دائرة الانتخاب الضيقة، ولم يصبح بعد جزءاً من الممارسة الحياتية اليومية.
لقد تجمد الأداء العربي بوجه عام، عند مرحلة التحرر والانعتاق من الاستعمار.
ولم يشهد العالم العربي أي تطور تاريخي ديمقراطي حقيقي، ومنذ فجر خمسينيات هذا القرن، حين انطلقت حركات التحرر العربية والتي كان من المفترض أن تكون أساساً نحو انعتاق آخر وتحرر داخلي وبناء ديمقراطي صلب.. المطلوب اليوم سواء في هذا الوطن أو في غيره من الأقطار العربية وعي جديد يدرك حاجتنا إلى بناء واقع سياسي واجتماعي معاصر وحديث يبدأ من عقولنا وممارستنا أولاً.
لقد كان في تعليق وزير الشؤون الأسكتلندية على استفتاء البرلمان بأنه يأتي تأكيداً على قدرة المملكة المتحدة على التكيف، ما يؤكد إدراكه هو وأقرانه لحتمية التغيير وتلك حتمية لا تخص المملكة المتحدة أو أسكتلندا وحسب، بل هي خاصية المجتمعات البشرية بشكل عام، لتبقى بعد ذلك أداة التغيير في ما يميز مجتمعاً عن آخر، فيكون الخيار مفتوحاً بين تغيير بالسكين والمدفع، وتغيير بالاستفتاء والتصويت.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى