
مظاهِر ثراء، وصورة توحي بملامح فخامة امبراطورية، وحضور غلب عليه طابع المال والسّلطة والحظوة، هكذا كان مشهد تتويج، وليس قَسَم وتنصيب ترامب في ولايته الثانية. ولا ينكر الرئيس الأمريكي على الإطلاق ذلك، بل هو يُعلن عزمه تحويل واشنطن الى عاصمة مال يحكمها أصحاب المليارات، حتى إنه خصّص أفضل المقاعد في حفل القَسَم هذا لأغنى أغنياء العالم، مثل إيلون ماسك، وجيف بيزوس، ومارك زوكربيرغ، ورئيس مجلس إدارة غوغل سوندار بيشاي. ويُقال إن هنالك ما لا يقل عن 13 مليارديراً تم تسلميهم مراكز رسمية في حكومة ترامب الجديدة، وبحسب تعليق لأحد المواطنين الأمريكيين، فإن ترامب لم يأتِ بجديد هنا، وإنما مارَسَ نوعاً من الشفافية في إعلانه عن دور الأثرياء فقط في إدارة الولايات المتحدة. هذا المواطن يرى أن الولايات المتحدة كانت دائمًا تحت سُلطة أهل المال والثروة، وما قاله ترامب كان فقط بالصوت العالي بدلًا من الهمس، فهو لا يتردّد في التصريح بأن تواجده في سوريا مثلاً لدواعٍ تتعلّق بالثروات فيها، وخاصة النفط والغاز.
بغض النظر عمّا ورد في خطاب التنصيب والقَسَم من أوامر تنفيذية، بعضها قد يكون من الصعب تنفيذه، فإن جوّاً من التأهّب قد خيّم على الكثير من التحليلات، بالإضافة الى ترقّب دولي لأخطر مئة يوم، وفقًا لوصف بعض الصحف، خاصة مع تصريح الرئيس الفرنسي، الذي قال إن فرنسا والاتحاد الأوروبي قد يُسحَقان بسبب السياسة المُعلَنَة لترامب إذا لم يتحركا.
حركة الاتحاد الأوروبي وفرنسا لن تخرج عن دائرة حركة ترامب في دفاعه ورعايته للأثرياء فقط، مقابل الأغلبية العظمي من شعوب الأرض، التي لا تتمتع بثروة ونفوذ وسلطة أثرياء العالم «المتقدّم»، فرنسا صاحبة الثورة الأهم في التاريخ البشري الحديث، الثورة التي نادَت بمبادئ سامية هي الحرية والمساواة والإخاء، لم تستطِع في ظل الغول الرأسمالي أن تفي بوعود ثورتها، فجاءت احتجاجات عام 1968، وأصحاب السترات الصفراء، وغيرها من احتجاجات مشابهة اجتاحت أكثر من عاصمة أوروبية، مُذَكّرة بأن الصراع التاريخي بين من يملك ومن لا يملك، وبشكل يفتقد أدنى مقومات العدالة، هو الدافع الأول غالبًا وراء كل تحرّكات الشعوب ضد أنظمتها ومؤسساتها.
منذ نشأة الدول والعالم يسعى جاهدًا للخروج بصيغة مناسبة، لضمان حقن الصراعات بين طبقات المجتمعات، ولرأب الهوّة بين الأثرياء والفقراء، فكانت القوانين والدساتير والمنظمات والمواثيق جزءاً من تلك المحاولات، والتي يفشل أغلبها، لأنها وببساطة تفتقد مبدأ الحرية، والذى يضمن بدوره العدالة والمساواة، ويعزز الحقوق الطبيعية للأفراد، ويحد من تمركز السلطة في طبقة أو فصيل أو فئة محدّدة، واليوم يأتي ترامب لِيُعلنها صراحة عن مدى سيطرة رأس المال على حركة العالم، وحجم قدرته سياسياً واقتصادياً على التحكّم بسياسات كل الدول، وبعيداً عن أي قيمة أخرى.
ترامب أعلن أن على الجميع أن يدفع في سبيل مشروعه لإعادة أمريكا عظيمة من جديد، فهل حقًا كما يُقال إن المال وحده هو ما يجعل العالم يدور ويتحرّك؟ أم أن هنالك قيمًا أخرى لا يزال بالإمكان استثمارها لخلق عالم أفضل؟
أياً تكن الإجابة، فإن الواقع يشير، ووفقاً لدراسة نشرتها منظمة اوكسفام التنموية، إلى أن ثروات أغنى الناس في العالم تزداد بوتيرة أسرع من أي وقت مضى، وأن عدد المليارديرات في العالم قد بلغ 2769 مليارديرا في عام 2024، بزيادة قدرها 204، مقارنة بـ2023، في الوقت الذي يرتفع فيه عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع والفقر.
المال سُلطَة، ما في ذلك من شك، فمنذ أن عرف الإنسان المال، وهو يستخدمه لفرض سُلطَته ونفوذه وتفوّقه، لكن سُلطَة المال تصبح أكثر خطورة وشراسة حين تدعمها سُلطَة السياسة، وهو بالتحديد ما عبّر عنه ترامب في خطاب التنصيب، الذي سيأتي بالأثرياء فقط لإدارة الدولة، وتحديد ملامح علاقتها مع العالم من حولها، فلا عجب إذاً أن يُنفق إيلون ماسك 250 مليون دولار لدعم ترامب في الانتخابات الأخيرة.
العالم إذاً يملكه الأثرياء فقط، و%1 من أثرياء العالم تفوق ثروتهم ما يملكه الـ%99 المتبقون، هو إذًا عالم في خدمة الـ%1 فقط.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:إيلون ماسك-الصراع التالايخي-جيف بيزوس-منظمه اوكسفام التنموية
