
بالأمس أكمَلَ غزو صدام حسين الكويت عامه الخامس والثلاثين، ومع ذلك لا تزل آثار تلك الحقبة الكالحة من تاريخ المنطقة مهيمنة بتداعياتها على كل الأحداث التي نمر بها، حيث لا يمكن فصل الأحداث السياسية عن توابعها السابقة واللاحقة، ولا يمكن رؤية حدث سياسي من زاوية واحدة فقط، وإلا كان هنالك قصور في الرؤية والاستشعار.
دخل صدام حسين الكويت يوم الثاني من أغسطس عام 1990، ومنذ ذلك التاريخ والى اللحظة، تحوّلت أربع دول عربية الى دول فاشلة، وتم إسقاط الجيوش العربية أو تحييدها، وعانى العراق من حصار وغزو أمريكي، وحرب أهلية، وعنف طائفي، وذلك قبل أن يجتاحه تنظيم الدولة، وتصبح حدوده مفتوحة ومباحة لتنظيمات عنيفة مختلفة.
دمّر الحصار تضاريس كثيرة بخلاف التضاريس السياسية، فعبث بأخلاقيات المجتمع، وانتشر الفساد بشكل مروّع، وانهارت العُملة، وغرق العراق في أزماته الاقتصادية والسياسية والبيئية والاجتماعية.
في المقابل، فَقَدَ الفلسطينيون بسبب غزو صدام حسين أهم حاضنة منذ عام 1948، والى بعد خروجهم من بيروت في عام 1983، حيث بقيت الكويت، وحتى عام 1990، من أفضل الدول العربية تعاملًا مع الفلسطينيين، والذين كانوا يُشكّلون قوة عمل، ومجتمعاً ثرياً بالمثقفين والمفكرين والمعلمين والأطباء، الذين أصبحوا مواطنين في بلدهم الثاني الكويت، وذلك قبل أن يقترف صدام حسين حماقته، لتختلط الأمور هنا.
وعلى الرغم من خسائر العراق الشقيق الجسيمة جراء جريمة صدام حسين في حق الكويت والعراق معًا، فإن القضية الفلسطينية كانت من أكبر المتضرّرين، فالتصدّعات داخل البُنية السياسية العربية، التي أحدثها غزو صدام للكويت، دفعت بأول مؤتمرات السلام الزائفة. كان ذلك في أكتوبر عام 1991، حين انعقد مؤتمر مدريد وليعقبه مؤتمر أوسلو، ووادي عربة، واتفاق أبراهام، وغيرها من مؤتمرات، لم تكن لتنعقد لولا حماقة صدام حسين، التي فتّت الشارع العربي وقسّمته الى قوى متناحرة، وجعلت من فاتحة المؤتمرات، مؤتمر مدريد، خير نصر للكيان الصهيوني، وذلك بعد أن تحولت القضية الفلسطينية من قضية صراع عربي إسرائيلي الى صراع فلسطيني إسرائيلي، وليتواصل تقسيم القضية الأم فيما بعد غزة، لتصبح صراعاً بين حماس وإسرائيل.
تعرّضت الكويت في الثاني من أغسطس الى غزو وتدمير وعمليات قتل وإعدام وتعذيب لمواطنيها، تم أسر بعضهم، ولا تزال رفاتهم مجهولة المكان، تم إحراق أكثر من 600 بئر نفطية، وخيّم الظلام الدامس في وضح النهار، وسالت الأمطار السوداء في شتاء الكويت عام 1991، لكن الخسائر لم تتوقف عند حدود الكويت، فغزو صدام خلق بيئة خصبة لتدخلات سافرة في المنطقة طالت الجميع، وعلى اعتبار أن الأحداث السياسية غالبًا ما تكون مُتّصلة وليست منفصلة، يمكن العودة بأحداث غزة الى غزو الكويت، فكل الشرور التي تواجهها المنطقة العربية اليوم بدأت من تلك الكارثة، تم إغراق العالم العربي بالديون والحروب، والمعاهدات الزائفة، وتم توطين القضايا الهامشية، من ترفيه واستهلاك جشع، داخل مجتمعاته، بدلاً من القضايا المصيرية، وتم خلق بيئة نزاع عربي – عربي تخدم المشروع الصهيوني مباشرة، وتم تطويع إعلام غريب ليدافع عن كل هذا.
كلنا إذًا خسرنا يوم الثاني من أغسطس عام 1990، وليس العراق والكويت فقط، وعلى الذين لا يزالون يتساءلون لماذا غزا صدام حسين الكويت، ما عليهم إلا أن يراجعوا الأحداث منذ فجر ذلك اليوم وحتى اللحظة، وبعد مرور خمسة وثلاثين عاماً من عمر كارثة الغزو.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:صدام حسين-الكويت-التضاريس السياسية-البنية السياسية العربية-المعاهدات الزائفة
