
قد لا يمكن الإسهاب بأكثر مما ورد في افتتاحية جريدة الجريدة، والتي خرجت بعنوان «الأصل جودة التشريع.. حتى لا توْأد القوانين»، والذي جاء في خلاصته وكما ورد في الافتتاحية «في عصر كهذا الذي نعيشه لم يعد مقبولاً أن تُكتَب القوانين في «غرف مغلقة»، وتُفرَض على المجتمع كأمر واقع، ومن الحكمة أن تُشرِك الحكومة الإعلام المسؤول في طرح مسودة مشاريعها على ذوي الخبرة، وأن تجعل من الشفافية والمصارَحَة قاعدة دائمة لا استثناء، فالقانون ليس ملكاً لها وحدها، بل وثيقة عامة تمس حياة الناس اليومية وتحدّد حقوقهم وواجباتهم وتنظّم صلتهم بمؤسسات الدولة» انتهى.
يُدرك الجميع بأن هنالك خللاً صاحب ممارسات بعض أعضاء مجلس الأمة وبشكل أدى إلى انحراف هذه المؤسسة، وبالتالي تعطيلها كمؤسسة تشريعية ولفترة زمنية وضع لها صاحب السمو سقفاً لا يتجاوز السنوات الأربع، ويدرك هذا الجميع كذلك، بأننا في مرحلة إعادة بناء وعي كامل لطبيعة العمل والمسؤولية الوطنية المنوطة بأي فرد يكون جزءا من هذه المؤسسة التشريعية مستقبلاً، لكن في المقابل، هنالك خطة تشريعية تستهدف تعديل وتحديث 25 في المئة من قوانين تمس شؤون الناس وبشكل مباشر، منها قانون الجزاء، والأحوال الشخصية، وقانون الطفل، والعنف الأسري، وقانون الجنسية، وذوي الإعاقة، بالإضافة إلى قوانين اقتصادية ومالية وغيرها.
تحتاج كل المجتمعات البشرية إلى شيء من التوافق في إقرار القوانين والتشريعات التي تمس شؤون تلك المجتمعات وبشكل مباشر، ومن أجل ذلك ظهرت المجالس التشريعية المنتَخَبَة والمُمَثّلة لتلك الجماعات، لكي تؤمّن شيئاً من مثل هذا التوافق، والذي بالإمكان تحقيقه من خلال أدوات أخرى في حال غياب المؤسسات التشريعية التقليدية، ومن ضمن هذه الأدوات الاستفتاء وذلك لتحقيق أكبر قدر من التوافق على أي مشروع أو قانون.
أهمية الاستفتاء أنه ينتقل من الديموقراطية التمثيلية المباشِرَة ليصل إلى كل مواطن، تمس أي تعديلات مُقتَرَحَة خبزه اليومي وحياته الاجتماعية والأسرية وشأنه المستقبلي، فيصبح مع الوقت والممارَسَة أسلوبا من أساليب إشراك المواطن البسيط في قرارات تمسّه مباشرة وبشكل يؤمّن عدالة أكثر، ويعزّز ملامح المسؤولية الوطنية بشكل أكبر، مع توافر صحافة حرة ونزيهة وموضوعية هنا تكون رافدًا لعرض وشرح قيمة تلك القرارات أو القوانين.
في سويسرا مثلاً، وهي أول دولة عملت بنظام الاستفتاء، يصوّت الجميع على قضايا مثل الرعاية الصحية، ومشاريع البناء، وحماية البيئة، بل وحتى قضايا تمس التعليم والضرائب والاقتصاد والمالية العامة وغيرها.
ولن ندّعي هنا بأن طموحنا في آلية الاستفتاء سيكون مشابهاً أو حتى قريباً مما هو قائم في سويسرا، لكنها خطوة مستقبلية واعدة قد تحقّق المزيد من العدالة، وترسّخ قيم المسؤولية الوطنية وبشكل مباشر لدى الجميع.
المسألة هنا لا تتعلّق باختيار أو انتخاب أشخاص أو ممثلين عن المواطنين يتحدّثون بلسانهم ويشرّعون لهم، وكما هو الحال في الانتخابات البرلمانية المعتادة، بل هي استفتاء على أفكار أو قوانين أو أمور تمس المواطن بشكل مباشر، وقد يكون الاستفتاء محدّدًا بنعم أم بلا، أو قد يتكوّن من خيارات أخرى، حتى انها اليوم، أي الاستفتاءات، قد أصبحت تأخذ شكلاً أكثر تنظيمًا وأسهل في التطبيق، ولعل أشهرها كان استفتاء الانكليز على الخروج من الاتحاد الأوروبي، حيث أدلى كل مواطن برأيه في هذه المسألة المصيرية وبشكل جعل كل مواطن في مواجهة المسؤولية تجاه ذلك القرار.
الاستفتاء ليس مُقتَرَحا دخيلا ولا «علمانيا»، بل هو من رحم الإسلام، تتجلى مظاهره في الشورى والبيعة، ويُحتَكَم إليه لتوطين ومنح القرارات والقوانين شرعية أكبر، وديمومة أطول، وعدالة اقوى.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:الاستفتاء-الغرف المغلقة-المجالس التشريعية-نظام الاستفتاء
