
يلعب قائد الجيش دوراً محورياً وأساسياً في ما يحقّقه الجيش سواء كان انتصارا أم هزيمة، فعلى عاتقه تقع مسؤولية التنظيم والتخطيط والقتال والحفاظ على الأرض والممتلكات، ومن أبرز صفات قائد الجيش الانضباط والذكاء، والشجاعة واللياقة البدنية.
على المستوى المدني، يأتي المثقف أو المفكر حاملاً دوراً مماثلاً في أهميته وإن كان مختلفاً في هيئته، من حيث المهام، عن الدور الذي يلعبه قائد الجيش، حيث يتجسّد دور المثقف في مسؤولية رعايته التنويرية ودوره التوعوي والتثقيفي.
أزمة المثقف العربي، كانت ولا تزال قضية متداولة، يحاصرها دائماً جدل دائر لا يتوقف خاصة بعد هزيمة حزيران، واليوم أخرَجَت حرب غزة ذلك الهم الدفين إلى الواجهة من جديد، وعاد السؤال القديم – الجديد حول دور المثقف العربي في ما يحدث اليوم، وما حدث عبر خمسة عقود، خَرَسَ فيها صوت المثقفين، إلا من خطابات عجز وانهزام ويأس وانكسار.
لقد قاد المفكرون والمثقفون أوروبا في عصر التنوير، فكان دورهم ريادياً وأساسياً في دعم الثورات والتحولات الاجتماعية والفكرية التي سادت أوروبا حينها، حيث تطورت حركة فكرية وثقافية قادها مثقفون مثل فولتير، وجان جاك روسو، وغيرهم من الذين دافعوا وبشراسة عن الحريات بكل أشكالها، وبالتحديد الحرية الفكرية، هؤلاء دافعوا وبقوة عن الإصلاح، والحداثة، سواء كتابة أو قولاً، ودعموا العدالة والمساواة والديموقراطية، ووقفوا في وجه الحروب والدكتاتورية.
في مراحل التحولات التاريخية والتغيّرات، يكون دور المثقف رائداً، وهو أمر غاب تماماً في العالم العربي وذلك في العقود الخمسة الماضية، وقد ازدادت حدة وأثر مثل هذا الغياب ابان ثورات الربيع العربي، واليوم في الحرب على غزة ولبنان وسوريا، غاب أو تهمّش دور المثقف الصادق ذي الضمير اليقظ، أصبح أغلب مثقفينا إما مملوكين أو انتهازيين أو فاسدين، لا يملكون أو هم يصمتون في وجه أسئلة كثيرة مركّبة يخوض فيها العامة دون دفّة توجيه أو إنارة فكرية أو توعوية أو تثقيفية.
هنالك تحدٍ وجودي يهدّد العالم العربي اليوم بثقافته وكيانه ووجوده، إبادة للأبرياء، وهدم متعمّد للمساجد، والمستشفيات ودور العبادة، والمدارس من قِبَل آلة حرب مجرمة تفتقد أدنى درجات الإنسانية، والأخلاق، والأعراف والقوانين التي أقرها المجتمع الدولي، ومن قلب هذا السقوط الأخلاقي نجد أصواتا لبعض المثقفين الغربيين الذين وقفوا وتكلموا ضد مثل هذا السقوط القِيَمي الذي تمارسه الآلة الصهيونية بحق شعوبنا العربية، بينما ينشغل أغلب المثقفين العرب بالتافه من الأمور عبر أدوات تواصل اجتماعي محدودة القيمة والأهمية والعائد.
لقد أكدت الأحداث الأخيرة في المنطقة أن هنالك فجوة كبيرة ومخيفة بين واقع المثقف العربي اليوم، وبين مسؤولياته والدور المُنتَظَر منه، بعد أن أصبح أسيراً للسلطة بكل أشكالها، السلطة السياسية، والاقتصادية والإعلامية والاجتماعية، شبكة من موازين القوى حاصرت المثقف العربي عبر خمسة عقود وحوّلته إلى أسير يحبو على هامش الأحداث.
لقد سادت أوروبا بعد حقبة الثورات موجة من النقاشات المُثمِرَة حول الدور والمسؤولية التي يحملها المثقف على عاتقه في تلك الظروف، بينما لا يزال المثقف العربي يخوض عبر السوشيال ميديا ثورة احتجاجية صوتية وليس مشروعاً فكرياً أو مجتمعياً أو سياسياً. حتى ان أغلبهم قد عجز عن لعب دور، وإن كان خجولًا، في إدانة جريمة بشعة كحرق مستشفى كمال عدوان في غزة بمرضاه وطاقمه.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:المثقف العربي-الثورة الصوتية-المستوى المدني-هزيمة حزيران-السوشيال ميديا
