
على الورق، هنالك «سلام» في كل مكان، في غزة وأوكرانيا، في السودان، وفي لبنان وسوريا واليمن، وعلى الورق كذلك هنالك «تفاهم» بين الصين وأمريكا، وبين أوروبا وروسيا، وبين إسرائيل والعرب، هنالك من لا يتوقف عن الإشادة بجهود وثمرات السلام في كل مكان، فمن أقصى الغرب إلى أدنى الشرق، لا تتوقف مباحثات ومؤتمرات السلام وإنهاء الحروب، وغير ذلك من إعلانات لا تتخطّى عتبة المؤتمرات وقاعات المنظمات الدولية والأنظمة السياسية والاجتماعية الدورية المتتالية.
ذلك ما هو على الورق، بينما على أرض الواقع، لا تزال غزة تهب الشهداء يومياً، ولا تزال بيوت الضفة الغربية تنهار تحت جرافات الاحتلال وانتهاكات المستوطنين اليومية، ولا يزال لبنان يتلقى وابلاً من الضربات والقذائف الصاروخية، التي تقتل في طريقها من تقتل وتدمّر ما تدمّر، ولا تزال حدود سوريا وقراها ومدنها تُنتهَك من قِبَل جيش الاحتلال وبشكل يومي، أما السودان فلا يزال غارقاً في دمائه وأشلائه، التي تقف فوقها دول وجيوش من المرتزقة، استباحت الدماء والثروات والأمن وكل شيء.
في أوكرانيا ترتفع ألسنة اللهب، وتسقط القذائف الروسية على المدن الأوكرانية وتقتل من تقتل.
أثناء توقيعه على اتفاق أوسلو عام 1993، استخدم ياسر عرفات عبارة سلام الشجعان، ليصف مبادرته للسلام آنذاك، وكان يقصد حينها أن السلام ليس ضعفاً، بل هو قرار يحتاج إلى شجاعة ساسية كبيرة.
بعد سلام الشجعان هذا، ارتفع عدد المستوطنين من 110 آلاف عام 1993، وقت توقيع أوسلو، ليصل إلى 516 ألف مستوطن، وتضاعفت سياسات مصادرة الأراضي والضم، وأصبحت حوادث العنف ضد الفلسطينيين شبه يومية، من هدم منازل، إلى إخلاء واعتقال ومصادرة أملاك، وحوادث عنف وغيرها، هذا طبعاً بخلاف الحروب، التي أتت بعد اتفاق أوسلو، من عملية عناقيد الغضب 1996، إلى انتفاضة الأقصى 2000 – 2005، التي سجلت آلاف القتلى والجرحى، إلى حروب لبنان 2006، والحروب على غزة في جولات متكررة من عام 2008، إلى عام 2022، لتمتد الآن، ومنذ السابع من أكتوبر عام 2023، لتدمّر أي محاولة شجاعة لتحقيق أي سلام.
لذلك، إن كان المقصود بالسلام هذا عدم قيام حروب عربية – إسرائيلية تقليدية، فإنه – أي السلام – يكون قد «تحقق»، لكن واقع الحال يقول إن الحروب «غير التقليدية» جاءت أكبر وأكثر تأثيراً من حيث الخسائر والانعكاس على السياسة الإقليمية، والأضرار التي لحقت بإسرائيل جرّاءها، من حرب لبنان 2006، وإلى حروب غزة المتتالية، التي جاءت حرب 7 أكتوبر كآخر حرب في تلك السلسلة، مع ما خلفته من أضرار جسيمة وغير مسبوقة على الكيان الصهيوني، الذي يكفي أنه فقد كثيراً من حجة مظلومية الهولوكوست، التي طالما منحته درعاً واقية في المجتمع الدولي، وجعلته الطرف المُحاصَر بحلقة من الأعداء العرب، الذين يتناوبون على دحره وتدميره.
في عام 1795، صدر للفيلسوف الألماني ايمانويل كانط كتاب «السلام الدائم»، الذي يُعد مخططاً فلسفياً، يضع الشروط اللازمة لتحقيق السلام المستمر بين الدول، ومن ضمن تلك الشروط، التي استعرضها كانط في كتابه: بناء مجتمع دولي من جمهوريات دستورية، ومنع التدخل في الشؤون الداخلية للدول، كما دعا كانط إلى التخلّص من الجيوش، لأنها تُغذّي سباق التسلح وتؤجّج الخوف.
أما أبرز ما جاء في كتابه، فقد كان في الدعوة إلى حظر عقد معاهدات سلام مؤقتة، تُتْرَك فيها أسباب الحرب قائمة.
النقطة الأخيرة صدَقَت في العديد من مشاريع السلام، التي أتت منقوصة، فأشعلت حروباً أطول وأقسى، أشهرها معاهدة فرساي بعد الحرب العالمية الأولى، التي مهّدت شروطها التعسفية تجاه ألمانيا آنذاك، لإشعال الحرب الثانية، التي كانت من أقسى وأشرس الحروب البشرية.
لا يوجد سلام بلا عدالة، فالسلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق في ظل ظلم أو قمع الطرف الأضعف، فالسلام بلا عدالة لا يتعدى كونه هدنة مؤقتة، التاريخ والواقع يقولان ذلك، حتى وإن كان سلاماً شجاعاً.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:سلام الشجعان-القذائف الصاروخية-مؤتمرات السلام-كتاب السلام الدائم
