
بعد سقوط صدام حسين عام 2003، استبشر العراقيون أملاً وخيراً، لكن ما حدث كان على العكس تماماً مع قدوم الحاكم المدني بول بريمر رئيس سلطة الائتلاف، الذي جاء ليحكم العراق، وصاحب المئة قرار كما يُشاع، التي ساهمت في تدهور الزراعة، والصناعة، والإنتاج، وبيئة العمل، وحصّنت في المقابل الفساد والرشوة وغيرها، والمزارعون في العراق لا يزالون يتذكرون القانون 81، الذي منع العراقيين من حفظ البذور، والاستعانة بدلًا عن ذلك بشركة متعدّدة الجنسيات تعمل في مجال التكنولوجيا الحيوية الزراعية، وتُعَد أكبر مُنتِج للبذور المعدّلة وراثيًا، مما أدى لاحقًا الى فوضى عارمة في الأمن الغذائي في العراق، ثم توالت القرارات التي أتاحت للشركات الأمريكية العاملة في العراق امتلاك كل الأعمال التجارية، مع كل التسهيلات المصرفية ومن دون الحاجة إلى التعاقد مع أيدٍ عاملة عراقية، حتى وصف بعض العراقيين قرارات بول بريمر بكونها قد منعت العراق من تصدير أي منتجات أو مواد أولية، وفتحت الباب أمام الفاسدين، سواء كانوا عراقيين أو أجانب.
اليوم يدور الحديث حول إدارة «جديدة» لغزة المنكوبة، فور انتهاء المجازر، يقودها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق طوني بلير، الذي سبق أن تولى منصب مبعوث الشرق الأوسط للجنة الرباعية حوالي عام 2007، والتي كان هدفها المُعلَن دعم الشعب الفلسطيني لبناء مؤسسات واقتصاد دولة قابلة للحياة وسلمية في غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، وفي الوقت نفسه أسس شركة «طوني بلير أسوشيتس»، التي تركّزت مهمتها على تقديم استشارات بشأن الإصلاح الاقتصادي والحكومي، والتي يُقال إن إنجازها الوحيد كان في الحصول على ترددات إذاعية من إسرائيل، سمحت بإنشاء مشغّل فلسطيني ثانٍ للموبايل، في الضفة الغربية
نحن اليوم أمام صورة مطوّرة للاستعمار، الذي تحوّل من احتلال عسكري إلى سُلطة اقتصادية تُدير وتملك من خلال شركاتها كل شيء.
ملوك الحروب وأباطرة الاستعمار يعودون اليوم تدريجيًا الى العالم العربي من بوابة الشركات العملاقة المتعدّدة الجنسيات، ورجال الأعمال ذوي الياقات الأنيقة، ويروجون لتحويل غزة الى ريفييرا جاذبة للسيّاح، وجنوب لبنان الى كازينو عملاق يستقطب المقامرين من شتى أرجاء العالم العربي، ومن يحاذيه، أو حتى يبعد عنه جغرافياً.
الشركات العملاقة المتعدّدة الجنسيات، وكوكبة رجال الأعمال أصحاب المحافظ المالية الضخمة، يملكون من النفوذ والسلطة ما قد لا تملكه دول قائمة لها كياناتها المستقلة واعلامها وقوانينها ودساتيرها وشعوبها ونظمها، مثل هذه المنظومة الاقتصادية لها تاريخ مرعب في أمريكا اللاتينية منذ ستينيات القرن الماضي، وحتى وقت قريب، وذلك قبل أن تنتقل بثقلها اليوم الى الشرق الأوسط وأفريقيا، تاريخها وحاضرها يقولان إنها دائمًا ما تتواجد أينما وُجِدَت الموارد الطبيعية من نفط وغاز ومياه وزراعة، ودائمًا ما تكون أهدافها موجّهة الى حيث العمالة الرخيصة والأسواق الاستهلاكية الجشعة والنهمة، أما وسائلها فغالبًا ما تكون من خلال الاحتكار، وإضعاف الصناعة والإنتاج المحلي، بالإضافة الى دورها البارز في دعم الانقلابات والأنظمة الاستبدادية، وذلك لفتح الطريق أمام مشاريعها، مثال على ذلك دعم إحدى الشركات العملاقة لانقلاب غواتيمالا عام 1954 ضد الرئيس المُنتَخَب، الذي حاول تأميم أراضي بلده، وكارثة فنزويلا الاقتصادية لا تزل شاهدًا على ذلك، حيث تحوّلت هذه الدولة النفطية الى دولة مَديْنة فقيرة ومعدمة.
أمريكا اللاتينية لم تدمّرها الجيوش التقليدية ولا العسكر، وإنما طالها الفقر وانعدام العدالة والإفلاس واللا استقرار والمخدرات، عبر استثمارات مشروطة من قِبَل شركات اقتصادية عابرة للحدود والقارات.
خطة بلير لإدارة قطاع غزة، وفقًا لما تسرّب من معلومات، تنص على تشكيل مجلس إدارة دولي، يضم من 7 الى 10 أعضاء من رجال الأعمال والدبلوماسيين والخبراء الاقتصاديين، يتولى بلير رئاسته، ويتمتع بصلاحيات كاملة في مجالات السياسة والأمن والاقتصاد.
بمعنى آخر عودة للاستعمار والهيمنة، لكن ليس بالجيوش والسلاح، فهذان أديا مهمتهما وحوّلا غزة الى مقبرة، بل من خلال شركات ومكاتب أنيقة ورجال أعمال «مهذبين» سرقوا العراق من قبل، ويسرقون غزة اليوم، ويستمر مشروع سرقاتهم ممتداً فوق الخريطة العربية، التي وقعت بين خيار الدولار أو السلاح.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:الاستعمار-صدام حسين-كارثة فنزويلا-الأنظمة الاستبدادية-طونى بلير
