
ثارت التعديلات المُزمَعَة على المناهج التعليمية في سوريا، الكثير من الجدل، حيث رأى البعض أنها بعيدة عن مشروع الدولة المدنية التي يطالب بها الشعب السوري، وأنها ترسخ الطائفية في دولة مثل سوريا تحتضن العديد من الطوائف والأعراق.
ظهر، حديثاً نوعًا ما، مصطلح الأمن الفكري والذي يعني تحقيق الطمأنينة على سلامة الفكر والاعتقاد والتعامل الرشيد مع الثقافات الأخرى، ومعالجة مظاهر الانحراف الفكري في النفس والمجتمع، ولهذا المُصطلح الحديث عدة تعريفات منها: «اطمئنان الفرد الى أن منظومته الفكرية والخلقية وقيمه التي ترتب العلاقات بين أفراد المجتمع، ليست موضع تهديد من فكر وافد غريب» انتهى.
لقد أدّت التكنولوجيا اليوم الى تهديد مباشر للأمن الفكري في كل دول ومجتمعات العالم، وأصبحت تُشكّل تحديًا مباشراً طال كل المجالات، وخاصة التربوية والتعليمية منها، ولم يعد هنالك طرق فاعلة حقًا لحماية هوية أمة ما أو شخصيتها، لذلك كانت أغلب محاولاتنا في العالم العربي لحماية أمننا الفكري ساذجة وغير مجدية.
الأمن الفكري، ووفقًا للتعريف أعلاه، لا يعني إلغاء الآخر أو أي طرف في المجتمع، بل على العكس من ذلك تمامًا، خاصة في المناهج التربوية والتعليمية، ولعل في تجربة الكروات مع الصرب حين انتهت الحرب خير مثال، حيث أصرّت الجهات التعليمية من كلا الطرفين على عدم إدراج أي إشارة عنصرية أو طائفية أو عرقية أو ما من شأنه إثارة الكراهية وذلك في المناهج التعليمية.
الأمن الفكري في العالم العربي لا يزال يراوح في حدود حماية الثوابت والمحافظة على القيم خاصة في ظل التهديد المباشر الذي خلقته تكنولوجيا تواصل واتصال لا تعرف حدودًا ولا فواصل، بينما يدعو الأمن الفكري في الغرب على ألا تكون المنظومة الفكرية والقيمية للفرد عُرضة أو موضع تهديد من أي طرف.
الأمن الفكري إذًا لا يعني الانغلاق على الثقافات الأخرى أيًا كان نوعها أو مصدرها، ولا هو يعنى التقوقع داخل منظومة فكرية جامدة، بل هو نشاط فكري مُتحرّك قادر على استيعاب الجديد والمختلف وقياس الأمور بالتحليل المنطقي السليم. فالساحة المعرفية اليوم أصبحت شاسعة وبشكل يتطلّب تعاملًا عقلانيًا مع هذا الكم المعرفي العالمي، وخاصة على مستوى المناهج التعليمية والتربوية، وذلك حتى يكون التواصل والتفاعل مع الثقافات المختلفة مثمرًا وليس عدائيًا.
الأمن الفكري يشترط انفتاحًا لا انغلاقًا، وهو أمر يرتبط وبشكل مباشر بقيم الحرية والديموقراطية والعدالة والمساواة، وجميعها وبكل أسف منقوصة ومُهمّشة في عالمنا العربي، وبشكل أدى الى خلل كبير في فهمنا وممارستنا للأمن الفكري بشكل عام.
يواجه الأمن بكل أشكاله، فكريًا كان أم سياسياً، إشكالية الموازَنَة بينه وبين الديموقراطية والحريات بكل أشكالها، وهي إشكالية أصبح الغرب يشاركنا بها بعد ارتفاع وتيرة العمليات الإرهابية في أكثر من دولة أوروبية، مما أصبح يطرح سؤالًا حائرًا حول الأولوية بين الامن والحرية، ومع ذلك يقول التاريخ ان الإرهاب والعنف والقمع لا يمكن هزيمتها إلا من خلال المواجَهَة الثقافية والفكرية، وهو ما تسعى دول الغرب الى تعزيزه في مجتمعاتها، بينما نحن العرب لا نزال مذعورين من بعضنا البعض ونبحث عن منافذ تمكّننا من نفي الآخر حتى وإن كان ذلك على حساب التعليم والأمانة التاريخية.
الكلمات المفتاحية:الأمن الفكري-المناهج التعليمية-العمليات الأرهابية-الانحراف الفكري
