غير مصنف

الإيطالية الشجاعة

12يوليو2025

أثار تقرير فرانشيسكا البانيزي الأخير الاهتمام، وبشكل غير مسبوق، حيث اتهمتها سلطات الاحتلال بأن تقريرها هذا يحمل معاداة للسامية ودعماً للإرهاب، فمن هي فرانشيسكا البانيزي، التي عُرِف عنها انتقادها الشديد للكيان الصهيوني؟
هي مواطنة إيطالية تحتل منصب مُقرّرة الأمم المتحدة الخاصة، والمعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، منذ الأول من مايو عام 2022، وهي محامية دولية وناشطة حقوقية، تُركّز على حقوق الإنسان في الصراعات المسلحة، وقد نشطت تقاريرها بعد السابع من أكتوبر، حيث قامت بتوجيه اتهامات عدة الى حكومة الكيان، بكونها تُحقّق مكاسب سياسية واقتصادية وتمارس نظام فصل عنصري، وذلك على حساب الفلسطينيين وحقوقهم.
تقرير البانيزي الأخير وجّه تُهَماً مباشرة لأكثر من 60 شركة ضالعة في تزويد إسرائيل بالأسلحة والمعدّات، وتسهيل أدوات المراقبة، مما أثار موجة من الاستياء المصحوب بالذعر لدى عشرات الشركات المتعدّدة الجنسيات العابرة للقارات، والتي يُعتَبَر أغلبها علامة شهيرة يتداولها الناس، ويتعاملون معها في كل شؤونهم اليومية.
إذا كانت غزة قد كشَفَت جرائم الكيان الصهيوني وتوحّشه وعنفه وشراسته، فإنها كذلك قد كَشَفَت انهيار المنظومة الأخلاقية في العالم، الذي طالما ادّعى أنه حامياً للحريات وداعماً للديموقراطية، ومسانداً لحقوق الإنسان في كل مكان. كَشَفَتنا غزة جميعاً، لكنها كَشَفَت، وبشكل كبير، المنظومة الاقتصادية والمالية التي تَتَحَكّم بالعالم، خاصة في ظل تمدّد وسيطرة الرأسمالية المتوحشة، التي لا تدين بغير الفائدة والنقد والعائد.
يُقال إن أحد الرؤساء الأمريكيين قد قال يوماً، إن استراتيجية الولايات المتحدة البعيدة المدى هي ألا تتوقف مصانع الحديد والصلب عن الإنتاج، وقد كان يعني هنا بالطبع مصانع السلاح بالدرجة الأولى، واليوم يُضاف الى السلاح التقليدي سلاح التكنولوجيا، الذي أطلق حرب جواسيس واختراقات غير مسبوقة لأنظمة أمن ولسيادة دول. هذا السلاح، الذي تملكه وتَتَحكّم به شركات التكنولوجيا، والتي أصبحت متوغّلة في أصغر شؤون البشر اليومية، مما يمنحها سُلطَة قد تفوق في نفوذها أي سُلطَة أو نظام سياسي.
اقتصاد الإبادة، الذي تحدّثت عنه الإيطالية الشجاعة، فرانشيسكا البانيزي في تقاريرها، أثار غضب دول وجيوش شركات التكنولوجيا، خاصة في ظل تقريرها الأخير، الذي سَمّت فيه شركات شهيرة، بينها شركات أسلحة وتكنولوجيا معروفة، بأنها تدعم الأعمال العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان والضفة، وقد استندت الإيطالية الشجاعة في تقريرها الأخير الى أكثر من 200 بلاغ واردة من دول ومدافعين عن حقوق الإنسان وشركات وأكاديميين.
منذ مطلع الثمانينات، ومع سيطرة عقيدة التجارة الحرة على يدي تاتشر وريغان، دأبت الولايات المتحدة وحلفاؤها على ترسيخ ثقافة وفِعْل الهيمنة الرأسمالية، الى أن وصل مشروعهم غزة، التي كَشَفَت وبصورة مُخجِلَة مدى شراسة وجشع وتوحّش الشركات، التي كشفتها الإيطالية الشجاعة أخيرًا، حيث كان القتل والدم والدمار يُبَث مباشرة عبر تكنولوجيا الاتصالات بكل أشكالها، فكان تقرير البانيزي صفعة في وجه تلك الشركات الجشعة، لم يجد الكيان الصهيوني مخرجاً منها سوى الادعاء كالعادة بأن تقرير الإيطالية الشجاعة معادٍ للسامية.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:فرانشيسكا البانيزي-المنظومة الأخلاقية-الأعمال العسكرية الأسرائيلية

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى