غير مصنف

مسودة قانون الأحوال الشخصية.. صفعة في وجه المرأة

20سبتمبر 2025

لم تكن هنالك قوانين تنظّم شؤون الأسرة والعلاقات داخلها، وبقيت المسألة عائمة ومن دون تحديد، إلى أن أصدر العثمانيون قانون حقوق العائلة في عام 1917، الذي تضمّن أحكام الزواج والطلاق وشؤون الأسرة، وذلك بهدف إخضاع المسألة هنا لرقابة الدولة وقوانينها.
ومع ذلك فقد بقيت قوانين الأحوال الشخصية، وكما تم التعارف على تسميتها فيما بعد، عائمة وخاضعة للاجتهادات الفقهية، والتداولات المستمرة بين السياقات السياسية والاجتماعية المعقدة، وبين الموازنات الفقهية التاريخية.
مسودة قانون الأحوال الشخصية، الذي تم طرحه أخيراً في الكويت، شابته مثالب عديدة، نتمنى أن يُعاد النظر فيها، وبما يتوافق مع معطيات واشتراطات العصر الحديث، ففي الفقرة التي تنص على منع زواج المسلمة بغير المسلم، والمسلم بغير كتابية، ولا زواج للمرتدين عن الإسلام، في هذه الفقرة ما يثير جدلاً واسعاً، كان ولا يزل يحتل حيزاً كبيراً من جدل الفقهاء والمشرّعين والعامة، والجميع هنا استند إلى ما ورد في القرآن الكريم، حيث جاء في تفسير الآية 221 من سورة البقرة: بسم الله الرحمن الرحيم «وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا» صدق الله العظيم، حيث استقر حكم المذاهب الأربعة على أن التحريم هنا يشمل النساء والرجال معاً.
أما ما استند إليه بعض من حرّم زواج المسلمة بغير المسلم، فهو في ما ورد في الآية 10 من سورة الممتحنة: بسم الله الرحمن الرحيم «فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ» صدق الله العظيم.
والآية هنا، ووفقاً لتفاسير عدة كانت تقصد المؤمنات المهاجرات واقترانهن بالكفار، وليس بأهل الكتاب، وهو اللفظ الذي أشار إليه القرآن الكريم، حين أباح للمسلم الزواج من الكتابيات، وذلك مما ورد في الآية 5 من سورة المائدة بسم الله الرحمن الرحيم «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ» صدق الله العظيم.
وتلك بلا شك إشارة واضحة إلى أن الفرق بيّن بين الكفار وأهل الكتاب، وعلى اعتبار العمومية هنا في النص القرآني، يكون الذين أوتوا الكتاب غير محدّدة بالجنس، بمعنى أنه بالإمكان أن يكون رجلاً أو امرأة.
في العالم العربي لا تزال قوانين الأحوال الشخصية وغيرها مرتبطة بالشريعة الإسلامية، لكن المسألة الجدلية هنا أنه حتى في دائرة الفقهاء والمفسرين من يؤكد اليوم أن مصادر الحكم بشكل عام أصبحت متعددة، بفعل ما طرأ على المجتمعات البشرية من تحوّلات وتغيرات، حتى أن بعضهم أصبح يتحدث وبشفافية عن أن الأحكام بمجملها، بعضها نصي صريح، وبعضها الآخر غير نصي، وبالتالي يكون خاضعاً لموازين أخرى، عقلية أو معرفية واستدلالية، وهو ما استدلت منه بعض الآراء، التي تقول إنه إذا جاز للمسلم الزواج من كتابية، فمن العدل والإنصاف أن يجوز للمسلمة الزواج من كتابي، خاصة أن القرآن لم ينص صراحة على المنع.
العناوين الرئيسية، التي وردت في مسودة تعديلات الأحوال الشخصية، كانت تدور حول مسألة الحد من التفكك الأسري، ومعالجة مثالب ناقضت الشريعة الإسلامية، وشجّعت الفجور في الخصومة بين الأزواج، وأمور أخرى تتحمل المرأة فيها بالتحديد وزر تلك الخصومة، مما جعل من القانون المُقتَرَح أقرب إلى الصفعة في وجه المرأة، وليس في انصافها، والمشكلة هنا أن القانون يتخفّى برداء الشريعة، بينما هو في الأصل يلتصق بالموروث والعادات أكثر، وهنالك قطعاً فرق، فالعقيدة مبادئ ثابتة تُنظّم علاقة الإنسان بخالقه، بينما يأتي التراث كعملية تراكم للعادات والتقاليد والأعراف توارثتها الأجيال، مثل هذا الخلط بين التراث والعقيدة أدى دائماً إلى تفوّق التراث على حساب جوهر الدين الحقيقي.
لا يمكن معالجة التفكك الأسري بقانون مهما بلغت صرامته، فالعلاقات الاجتماعية تحكمها أمور أخرى معقّدة، من بينها تغيّرات فكرية وثقافية وسياسية تراكمت عبر سنوات من التحوّل داخل المجتمع، وتحميل المرأة وزرها كتزويجها من مجنون أو منع زواجها بغير المسلم، أو منع سفرها بغير إذن زوجها، ليست سوى صفعات متكررة في وجه المرأة.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية: قانون الأحوال الشخصية-الاجتهادات الفقهيه-السياقات السياسية-الشريعة الإسلامية

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى