
اقتنصت تيارات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، حالة الفراغ السياسي، التي أحدثتها هزيمة 67، ولم تنجح الحشود والجماهير، التي خرجت ليلة التاسع من يونيو عام 67، ليلة تنحي جمال عبدالناصر، إقراراً منه بمسؤوليته عن الهزيمة، لم تنجح في إعادة التاريخ المصري، ومن ثم العربي، الى ما قبل النكسة.
احتلت ومنذ تلك الحقبة تيارات الإسلام السياسي المشهد، وامتدت داخل البيوت وأماكن العمل والجامعات والمصانع والإعلام، وسيطرت تماماً على الوعي العربي. سلاحها كان آنذاك حالة الانكسار والهزيمة، التي اجتاحت كل الساحات العربية، مُحدِثة فراغاً سياسياً هائلًا. وبالرغم من التنوّع في فكر وتوجّه تيارات الإسلام السياسي، فإنها استطاعت أن تلتقي في جزئية إغلاق العقل العربي، ومحاربة الإبداع بكونه فتنة، والوقوف في وجه كل مظاهر التفكير والتعبير الحر
وحدها جماعة الإخوان المسلمين، هي من خرجت عن هذا النطاق الضيّق في الطرح الاجتماعي والفكري، وامتهنت السياسة وبشكل ذكي وماهر جداً.
أغلب الجماعة لا يحبّذون ربط التاريخ والعودة بنشأتهم الى نشأة اخوان من أطاع الله، التي تشكّلت في عام 1911، من مجموعة من المتشددين في جزيرة العرب، على الرغم من كل الشواهد التاريخية، التي تربط بين نشأة اخوان من أطاع الله، ونشأة جماعة الإخوان المسلمين في عام 1928، الأولى انقلبت على الملك عبدالعزيز بن سعود، الذي قاتلهم وقتل زعيمهم فيصل الدويش، والثانية شاركت في القتال ضد الانكليز وتعاونت مع عبدالناصر، ثم انقلبت عليه، فحاربها وشنق زعيمها سيد قطب، هذا بخلاف ما دوّنه التاريخ من لقاءات تمّت بين رموز فكرية من كلتا الجماعتين.
ذلك كان من التاريخ، أما بشأن الحاضر، فهنالك مؤشرات كثيرة تؤكد أن الإخوان قد حققوا مكاسب سياسية، ظهرت مؤشراتها إبان الربيع العربي، حين عرفوا كيف يقتنصوا الفرص، كما يتضح الأمر اليوم أكثر في أحداث الشرق الأوسط الأخيرة.
بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع الإخوان، تبقى الحقيقة انهم ولربما يكونون الفصيل السياسي الوحيد المُنظّم، الذي يجيد المناورة والمراوغة والتحرّك بفطنة ودهاء في دهاليز السياسة المعقّدة، وعقد التحالفات مع كيانات ودول قوية سياسياً وعسكرياً، آخرها كان في تفاوض دول عظمى مع حركة حماس في غزة المنكوبة.
لو كنت من الإخوان اليوم لاقتنصت الفرصة، وبدأت حقبة سياسية جديدة، حقبة لا تقوم على توظيف الدين بشكل ساذج لاستقطاب الشعوب وتهميش الحريات بكونها فتن، فالمشكلة كانت ولا تزال ليست في الدين نفسه، بل في أسلوب توظيفه خطأ في خدمة السياسة.
لو كنت من الإخوان لحرصت، حين أتمكّن من السلطة، على عدم إقصاء أي طرف أو أي فكر أو نهج مخالف، ولامتزجت جيدًا بظروف العصر الحديث، ولحاولت ألا أكرر أخطاء تاريخية، ونهجاً إقصائياً تم فيه تصفية مفكرين ومسؤولين وسياسيين ورجال أمن وقضاء.
لو كنت من الإخوان لبدأت حقبة من التصالح مع الديموقراطية والحريات والحقوق والدساتير، ولأدركت أن «التمكين» الكامل لا يتحقّق إلا باحتواء الجميع، وأن نفي أو إقصاء طرف ما لم يؤدِ الى إنهائه، بل الى انزوائه في سراديب العمل السري، التي ستؤدي حتمًا الى الصدام مستقبلاً.
هنالك تجارب للإخوان، حاولوا من خلالها التأقلم مع عالم جديد بقواعد مختلفة، تركيا – على سبيل المثال – استطاعت أن توازن الى حد كبير بين معطيات عصر مختلف، وبين طموحات حزب تاريخية، بينما خسر الإخوان في مصر هذه المعركة، حين تعاملوا مع الديموقراطية كغنيمة، فكان أن مكّنوا الجيش من محاصرة تجربتهم القصيرة مع الديموقراطية، وهو ما حرص حزب النهضة في تونس على عدم تكراره، فقبل بمبدأ المشاركة وعدم الإقصاء.
لو كنت من الإخوان، لحرصت على الموازنة بين «الدعوة» الدينية الفكرية، وبين المبادئ الديموقراطية والحريات التي يفرضها العصر، ولبدأت في تغيير بُنيتي، وطرحت نفسي كتيار يحتضن كل الاطياف، ويتسع للجميع، ويدين أولاً بالعدالة والحرية والمساواة والمشاركة، لا الإقصاء والتهميش والعداء.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:الأخوان المسلمين-تيارات الإسلام السياسي-الديمقراطية-التمكين
