غير مصنف

طوفان الأوامر الترامبية

29مارس2025

تعود تسمية الأسد بملك الغابة لأسباب عدّة، أبرزها صفاته الجسدية والتي تجعله قوياً وتُميّزه عن سائر حيوانات الغابة، كما أنه يمتلك حواساً قوية مثل حاسة السمع التي تُمكّنه من سماع صوت فريسته بسهولة، وأيضاً يتميز الأسد بعدم الحاجة للاختباء، لذلك فهو غالباً ما يعيش في الأماكن المفتوحة من دون أن تتجرأ عليه الحيوانات الأخرى، ومع ذلك فإن الأسد يخاف حيوان القنفذ، أو هكذا يُقال، وذلك بسبب شوك جسده، وحدّة أسنانه، كما أن الروايات التراثية ومن أغلب الثقافات، تتحدث عن قصص ذات مغزى وقعت بين الأسد ملك الغابة وبين الفأر صاحب الجسد الضئيل، يتفوق فيها عقل الفأر الصغير على جسد ملك الغابة القوي، في إشارة إلى ضرورة عدم الاستهانة بأحد حتى وإن كان صغير الحجم، وعدم الزهو والتنمّر بالأفضلية على الغير، لأن الجميع سواسية.
في كتاب كليلة ودمنة، تم تدوين تاريخ الغابة باعتباره تاريخ الأسود، أو بمعنى أصح تاريخ القوة والأقوياء، وبغض النظر عن جوانب الخير والشر في هذه المعادلة، وفي تاريخ الأدب، يأتي كتاب كليلة ودمنة كأشهر الكتب التي تحوي إسقاطات أدبية على عالم البشر وشؤونهم، حيث تقارِن أغلب حكايات كليلة و دمنة بين نوازع الشر والخير، ومنابع كليهما، وميزان القوة والسطوة في مواجهة الذكاء والحكمة.
في العلاقات الدولية كذلك يأتي منطق القوة كعنصر بارز في تشكيل تلك العلاقات، آخر مظاهر هذه القوة ما حمله ترامب مع ولايته الثانية من ذعر في أسواق عالمية ودول ذات ثقل سياسي وعسكري، بما أصبح يُعرَف بطوفان الأوامر الترامبية، والتي أثارت جدلاً واسعاً سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها، مما استدعى الصين للتصريح بأن سياسات ترامب هي عودة إلى قانون الغاب، هذه القرارات التي لم يسلم منها أحد، فجاء نصيبنا في الكويت من خلال تصريح وزير التجارة الأمريكي والذي اتهم فيه الكويت بأنها ناكرة للجميل، واستعرض أرقاماً مغلوطة لكلفة حرب التحرير وإطفاء الآبار، وهو ما استدعى الصحافة والناس للرد على مثل تلك المغالطات.
لعبت القوة دوراً مهماً في محطات كثيرة عبر التاريخ، لكنها في النهاية عجزت عن تأمين الاستمرارية لتنهار في ما بعد، إما تحت ضغط الأغلبية في العالم والتي لا تتمتع بذات القوة، أو بسبب سياساتها خارج حدودها، وكما حدث مع نابليون فرنسا، وهتلر ألمانيا، والاتحاد السوفيتي واليابان.
تراجَعَ مصطلح القوى العظمى في أعقاب تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991، وأصبحت معه الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة، إلى أن برز نجم الصين ومعه روسيا الاتحادية وعادت القوى العظمى من جديد تحكم وتتحكّم في العالم، لكن يبدو أن الحلم الترامبي بإعادة أمريكا عظيمة من جديد، قد أعاد فكرة هيمنة القطب الواحد (العظيم) مرة أخرى، وبدأت معها فوضى العدوانية والتنافسية تسود العالم ويدفع تكلفتها مليارات البشر، في حقبة تاريخية شبّهها تقرير الشال الاقتصادي الأسبوعي، بأنها ليست بعيدة عن أوضاع ثلاثينيات القرن الفائت بعد الحرب العالمية الثانية، وبكونها حقبة تواجه ضعفاً كبيراً في احترام القوانين الدولية والجغرافيا وسيادة الدول.
يُقال بأن التاريخ يكتبه المنتصر والقوي بنفس الوقت، وقد لا تكون المشكلة هنا في أنه وحده من يكتب التاريخ، بل في أنه يضع أيضا صيغته الذاتية للأخلاق والقيم والمعتقدات والفكر، وبحيث تصبح مقبولة مع الوقت تحت ضغط القوة والسلطة والنفوذ.
لكنها في النهاية، وأيضاً وفقاً للتاريخ، لا تدوم، فالقوة ليست دائماً جسدية، بل ان للحكمة والعقل قوة مماثلة، ورَدَت في حكايات كليلة ودمنة أكثر من رواية على ذلك، تحكي كيف أن حيوانا ضعيفا أنقذ يوماً الأسد، ملك الغابة القوي، من الأسر والموت.
كل عام والعالم بخير وسلام ومن دون حروب.. عيدكم مبارك.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية: الأوامر الترامبية-الأسد-حرب التحرير-الاتحاد السوفيتي

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى