
لم تكن الأفكار التقليدية هي ما وقف وراء كل الإنجازات التي أضافت شيئاً لعالم البشر، ولم يكن المألوف من التفكير هو المحفّز لكل الثورات، صناعية كانت أم فكرية أم سياسية أم اجتماعية، فالخروج عن المألوف والتقليدي هو الحجر الأساس وراء كل ما أنجزه وأدركه البشر عبر تاريخهم.
لطالما كان التعليم وفلسفته حجر عثرة في وجه كل من حاول الخروج عن المألوف، طبعاً بالإضافة إلى الأعراف الاجتماعية والفكرية السائدة، لكن في الوقت الذي يصعب فيه التحكّم في الموروث الاجتماعي أو الفكري أو في المنظومة السياسية القائمة، وذلك لأسباب معقّدة ومُكلِفَة، يأتي التعليم ليُشكّل المدخل الأسهل والأسلم لتدريب الفرد على الخروج عن المألوف والبحث خارج الصندوق.
في الأسبوع الماضي أعلنت وزارة التربية عن البدء بتأليف مناهج جديدة لجميع المراحل، بدءا من رياض الأطفال، ووصولاً إلى الصف التاسع، الهدف، كما ورد في إعلان الوزارة، هو الارتقاء بمخرجات النظام التعليمي والاستناد إلى معايير علمية وتربوية واضحة، مع التركيز على الترابط الموضوعي والتكامل بين المواد الدراسية، ولا سيما بين مواد الاجتماعيات والتربية الإسلامية واللغة العربية، بهدف ترسيخ القيم الوطنية وتعزيز الهوية الثقافية الكويتية في نفوس الطلبة. هذا بعض ما جاء في إعلان وزارة التربية، وهو ما يقودنا من جديد للحديث حول فلسفة التعليم قبل المناهج والمعلّم والطالب، خاصة في ظل غياب أو غموض مثل هذه الفلسفة، ليس عن مناهجنا وخطّتنا التعليمية في الكويت وحسب، وإنما في العالم العربي بأكمله، حيث يُشكّل التعليم فيها منظومة لتوجيه الفرد وتشكيله ضمن قالب مُتعارَف ومُتّفق عليه مجتمعياً وسياسياً وفكرياً.
لماذا نُعلّم؟ هذا هو السؤال الذي كان يُفتَرَض بوزارة التربية أن تطرحه قبل أي محاولة لتغيير المناهج أو تدريب المعلمين.
فلسفة التعليم وسؤال لماذا نُعلّم؟ هو السؤال الذي أصبح يتصدّر كل نقاشات مؤسسات التعليم في العالم كله، خاصة في ظل ثورة التكنولوجيا والتواصل التي شكّلت تحدياً قوياً لأصول المعرفة والمعلومة، مما أحدث اضطراباً في الجهاز التعليمي وبشكل غير مسبوق.
يقول العالم الأمريكي نيل تايسون، ان الطالب العادي يمكن أن يتشكّل وفقاً لما يفعله به النظام التعليمي، وهنا تأتي مشكلة طبيعة واتجاه مثل هذا التشكيل، والذي أخطأت أغلب المؤسسات التعليمية في العالم العربي الطريق إليه، وبحيث تحوّلت معها مثل تلك المؤسسات إلى غرف تلقين وتحفيظ من دون أن يمس ذلك جوهر الوعي والعقل الكامن والإبداع الخفي داخل كل نفس بشرية.
في مثلث أي عملية تعليمية، يأتي الطالب والمعلّم والمنهج كأضلع رئيسية، وهنا تتفاوت الآراء حول أيهم أكثر أهمية، لكن ما تُشير إليه أغلب التجارب، أن المعلّم المُتمكّن هو القادر على إرساء قواعد ذلك المثلث، فالمعلّم يستطيع أن يطوّع منهجاً سيئاً ويحوّله إلى مادة مفيدة، لكن العكس ليس صحيحاً هنا، فالمنهج الجيد لا يخلق معلّمًا قادراً وماهراً ومُتمكّنًا، ولأن أغلب محاولات إصلاح التعليم دائماً ما تكون موجّهة للمنهج، فقد أصبحت لدينا عشرات اللجان ومثلها من المؤتمرات والتوصيات التي تتناول المناهج التعليمية، آخرها كان في مقترح تغيير المناهج في بضعة أشهر، بينما أهملنا أو تجاهلنا بناء المعلّم القادر على الأداء تحت أي منهج، ولتأتِ الحرية هنا كاحدى أبرز ركائز بناء هذا المعلّم الفرد.
لا تعليم من دون حرية، ولا ابداع بلا حرية، وإعطاء الفرد، معلّمًا كان أم غيره، مساحته الكاملة يعني مباشرة تعزيز قدرته على الإبداع، ويضيف تنوعاً فكرياً وثقافياً على المناخ العام.
ولأن الحرية مُغيّبة في معظم العالم العربي، فقد بقيت مشاريع إصلاح التعليم جامدة، ولا تتجاوز في أغلبها خانة التلقين والتحفيظ والتكرار بهدف اجتياز الامتحان.
اليوم تفرض التكنولوجيا بكل تداعياتها فلسفة تعليم جديدة لا تقوم على تراكم وتداول المعلومة، وإنما على تحفيز العقل والخروج به وبحرية كاملة ومسؤولة من خانة الركود إلى فضاء الابداع خارج الصندوق التقليدي، وبإشراف طاقم من المُعلّمين غير التقليديين في فكرهم ومنهجهم، وبغير ذلك يبقى التعليم تلقيناً وشهادة لدرجة وظيفية مُحدّدة.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية: التعليم-الحرية-رياض الأطفال-ثورة التكنواوجيا-المنظومة السياسية
