
في عام 2010 قدّم آدم برزيفورسكي، أستاذ العلوم السياسية البولندي الأميركي، والذي يُعتبر من أهم المنظّرين والمحللين للمجتمعات الديموقراطية، مقتَرَحًا يشير إلى المقياس الثنائي للديموقراطية والدكتاتورية، مستعيناً بمجموعة بيانات سنوية لـ199 دولة من عام 1946 حتى عام 2008، وقد تم تصنيف المؤشر المُعتَمَد هنا إلى نوعين: الديموقراطيات والدكتاتوريات، بالنسبة للديموقراطيات فقد جرى تصنيفها إلى ثلاثة أنواع: الديموقراطيات البرلمانية، وشبه الرئاسية، والديموقراطيات الرئاسية، أما الدكتاتوريات فيتم تصنيفها إلى الدكتاتورية الملكية والعسكرية والمدنية، واستناداً إلى نظرية الديموقراطية، فإن الحد الأدنى يَعتَمد على وجود انتخابات تنافسية، حيث دافع برزيفورسكي عن نهج الحد الأدنى مستشهداً بأنها: «النظام الوحيد الذي يستطيع فيه المواطنون التخلّص من الحكومات دون إراقة دماء».
وفقاً لما سبق من تصنيف، فإن الكويت تتمتع بالحد الأدنى من الديموقراطية، وهو ما يُعتَبَر إنجازاً جيداً قياساً بعمر التجربة القصير، فهنالك انتخابات تنافسية معقولة، ولم يحدث أن أُريقَت الدماء للتخلص من أي حكومة.
لكن قطعاً للديموقراطية مكاسب ملموسة على هامش التجربة بخلاف الانتخابات البرلمانية، وهي مكاسب تستحق منا التوقف عندها مع أي عملية تقييم، خاصة في ظل حفلات التنظير التي يُقيمها البعض عند أي أزمة سياسية يمر بها البلد، حيث يسعى هذا البعض لترويج رؤيتهم حول النظام الانتخابي وآلية العمل داخل السلطتين، وتعديل الدستور على «نار هادئة».
أغلب مُسوّغات المستائين من الديموقراطية في الكويت أنها تقف عائقاً في سبيل تحقيق تنمية مستدامة، على الرغم من أنهم لا يشرحون طبيعة هذه الإعاقة، ولا يضعون تعريفهم الدقيق لمفهوم التنمية بشكل عام! وبالطبع هم لا يتطرقون إطلاقاً لحقيقة أن نهضة الكويت ثقافياً وتعليمياً وصحياً وفنياً ورياضياً قد ارتبطت وبشكل مباشر بإعلان الدستور، وولادة حقبة جديدة من المشاركة الشعبية مُمَثّلة بمجلس تشريعي مُنتَخَب.
في مقياس برزيفورسكي الوارد أعلاه، ورد تصنيف للدول حسب نوع نظام الحكم، ثم تحديد الأسباب التي استدعت التصنيف بين كونها دكتاتورية أو ديموقراطية، وبالطبع حلّت أغلب الدول العربية كدول دكتاتورية لأسباب تتعلق بعدم وجود تبادل للسلطة، وغياب الأحزاب التشريعية، وبكون القيادة التنفيذية غير مُنتَخَبَة، أو أن بعضها يتمتع بنظام الحزب الشرعي الواحد.
لاشك بأن الديموقراطية كثقافة سياسية اجتماعية لا تزال بعيدة عن التحقّق في مجتمعاتنا العربية بشكل عام، لأسباب تتعلّق بطبيعة البُنية الاجتماعية التراتبية في أغلب المجتمعات العربية، وأيضاً لقصر عمر التجربة في أغلبها، والتي لم تبدأ في أكثر الدول العربية سوى بعد حركات التحرر والاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية.
لكن ذلك لا يعني إطلاقاً، وكما يحاول بعض المثقفين المنظّرين ترويجه، من أن الديموقراطية صناعة غربية غير صالحة للممارسة والتطبيق في المجتمعات العربية، ولعل مقارنة سريعة بين ما حدث في العراق وبين غيره يؤكّد ذلك، فالعراق كدولة أرسى، ومنذ مطلع القرن الماضي، أُسس البُنية السياسية، مُمَثّلة بمجالس تشريعية وبلدية منتخبة، استطاع وبعد أن تم اختطافه لأربعة عقود من قِبَل نظام دكتاتوري دموي، أن يُعيد أعمدة البنيان، لتعود معها الانتخابات والمجالس التشريعية، وبغض النظر عن أداء من يتولون هذه المجالس، تبقى مسألة إعادة البناء أسهل من وضع الأساس.
قد لا تنطبق أُحجية البيضة والدجاجة على تراتبية النظام السياسي السليم، فأولوية العمل الديموقراطي تكون بإرساء قوائمه من حريات ودستور وانتخابات ومجالس تشريعية، لتتم تغذية كل ذلك بالممارسة فيما بعد، والتي حتماً ستكون خاضعة لقانون التجربة والخطأ، والقبول والرفض، وهو بالتحديد ما تَعبر به التجربة الكويتية الفتية، والتي لا يمكن العودة بها إلى المربع الأول، فالحريات التي يمارسها المواطن هي من تداعيات الأسس الأولى، حيث رسّخها الدستور ونص عليها، والحقوق التي يتمتع بها أرستها القوانين والمؤسسات الخاضعة لها، حتى أصبحت كلتاهما – الحقوق والحريات- مع استمرار الممارسة أموراً مُكتَسَبة لا عودة فيها ولا عنها، لذلك تأتي مناشدات بعض «نخبة المثقفين» اليوم بتعليق الحياة البرلمانية بزعم تنقيح التجربة، فارغة وخارجة عن نسق المسار التاريخي الطبيعي، فالتنقيح لا يكون إلا بالمزيد من الممارسة لا العكس تماماً، وكما ورد أعلاه لا تنطبق هنا، وفي هذه الحالة بالتحديد أُحجية البيضة والدجاجة على الاطلاق.
