غير مصنف

كرة القدم.. لعبة الفقراء

3 يناير 2026

أصبحت كرة القدم الأقوى تأثيراً في العالم، رياضياً وسياسياً واجتماعيًا، ولا يكاد يمر يوم على العالم دون أن تشهد ساحاته وملاعبه بطولات كروية ومباريات وتنافسا كرويا يتفق ويلتف حوله العالم دون استثناء لجنس أو عرق أو دولة أو هوية.
تأثير كرة القدم أصبح ينافس تأثير الأحداث السياسية، والحماس الذي يواكب المباريات الكروية يفوق الحماس، الذي تشهده أحداث سياسية بارزة. الأسباب وراء فتنة كرة القدم مختلفة، لكن قد يكون أبرزها أنها لعبة الجميع، الفقير كما الغني، الصغير والكبير، الحر والمقموع، لذلك أطلقوا عليها رياضة الفقراء، فهي لا تحتاج الى تكلفة مالية باهظة لممارستها، فقد يكفي استخدام الجوارب، وكما هو الحال في كرة «الشراب» في الأحياء الفقيرة، كما أنها لا تحتاج مساحات، فأي ساحة ترابية قد تفي بالغرض، كذلك لا تشترط كرة القدم معدات ولا لباساً معيناً مُكلفاً كرياضة التنس أو الغولف، وإنما يمكن ممارستها بأقدام حافية، لذلك خرج أغلب أبطال كرة القدم من أحياء فقيرة ومن بيئة معدمة، وكما هو الحال مع بيليه، ومارادونا، وميسي، ومحمد صلاح، ورونالدو. وهو أمر قد يكون مؤشرًا على عدالة رمزية في هذه الرياضة، وربما بشكل مختلف ونادر، حيث بإمكان الفقير أن يهزم الغني هنا، وأن يُسقِط بعض الصغار اجتماعياً وماليًا، كباراً ومؤسسات ذات نفوذ ومال وسلطة.
ولعل المفارقة الوحيدة هنا في كرة القدم، التي قد تكسر فرضية العدالة الرمزية في هذه الرياضية، أنها تقوم على جهد الفقراء، وتصنعها أقدامهم الماهرة في تحريك وتسديد الكرة في المرمى الصحيح، لكن في المقابل أصبح الأثرياء هم من يدير نتاجها ويحصد نجاحاتها، أما جماهير الكرة، فهي الممول الأول، الذي يدفع، ولا يتلقى عائداً، باستثناء البهجة والنشوة، اللتين يثيرهما تسديد الأهداف في المرمى.
لقد أصبحت ملاعب كرة القدم، وعبر العالم، المتنفّس الأول من كل مشاعر الغضب والإحباط والتوتر والتهميش، ففي ساحاتها لا شي آخر بخلاف حلم فوز الفريق المفضل، ولا يضاهي تسكين أي ألم إلا بتسديد هدف في مرمى الفريق المنافس، حيث يرتفع الدوبامين والسيراتونين والأدرينالين، لتحدث معهم نشوة وفرحة الفوز وغبطته.
لقد أصبحت هذه اللعبة الذكية الملاذ الآمن لملايين البشر، خاصة في ظل الإحباط، الذي تسبّبه الأحداث السياسية والحروب، حيث يكون ميزان النصر في ملاعب الكرة بين الربح والخسارة واضحاً ومحدداً، بخلاف الحال في الحروب والأحداث السياسية، حيث ينقسم البشر في تحديد وتعريف حدود النصر والهزيمة سياسياً وعسكرياً.
لقد تمكّنت كرة القدم من احتلال مكانة بارزة لدى ملايين الناس، لأنها استطاعت أن تلعب معارك بلا دماء، وتُسقط ضحايا بلا دمار، وتقود صراعات بلا مدرعات وجيوش وسلاح.
بعض الفلاسفة يرون في مثل هذا التعلّق بكرة القدم هروباً من الواقع، وكما هو الحال عند بيتشه، الذي لم يكن مغرمًا بالسياسة، لكنه كان يرى في الهروب الى كرة القدم تخديراً ناعماً، وانتصاراً بلا مخاطر.
ومع ذلك، تبقى كرة القدم رياضة الفقراء بلا منازع، تتحقق من خلالها عدالة رمزية معقولة، وتمارَس القوة فيها بلا دماء، وتتوحد معها مشاعر ملايين من البشر على اختلافاتهم العرقية والعقائدية والفكرية، في مشهد يندر جدًا أن يكون حاضراً في عالم السياسة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى