
مازلت أتذكر جيداً البروفيسور روبنز رئيس برنامج الماجستير، ورئيس قسم علم اللغة في جامعة لندن! كان البروفيسور روبنز علاَّمة في مجاله، له من الكتب والأبحاث في مجال علم اللغة الكثير، يشرف على أبحاث ورسائل ماجستير ودكتوراه في هذا المجال، ومع ذلك فالبروفيسور روبنز لا يحمل شهادة الدكتوراه، وإنما ماجستير في علم اللغة العام!
البروفيسور روبنز طبعاً وصل إلى ما وصل إليه من درجة علمية بفضل أبحاثه وكتبه التي كانت تدرس لطلبة الماجستير والدكتوراه ولا تزال!
تشهد الكويت ومنذ فجر التسعينيات ظاهرة غريبة ومخيفة تتمثل بانتشار موضة “الدكترة” بشكل رهيب، وبصورة أصبحت تثير الاستغراب والتساؤل! فيكفي أن يختفي فلان أو فلانة لأشهر ستة أو أقل ليعود بعدها محاطاً بهالة “حرف الدال” مع كل ما تؤمنه له أولها من برستيج وحظوة اجتماعية!
الدكتوراه في جوهرها تعتبر إجازة للبحث العلمي في المجال المعتمد في الشهادة، أي أنها تعد مدخلاً لأفق واسع من البحوث والدراسات المستمرة! هذا في حالة الدكتوراه المتعارف عليها دولياً، لكن الدكتوراه في الحالة الكويتية لها شروطها وموجباتها الخاصة! فهذه الدرجة الأكاديمية تعادل في المفهوم الاجتماعي هيبة وبرستيجاً، كما أن لها مفهومها الاقتصادي المتمثل في درجة وظيفية معينة، وراتب محدد! بينما يبقى مغزى الدكتوراه الأدبي مموهاً وهامشياً أو كما نقول بالعامية “تحصيل حاصل”!
المسؤولية بالطبع، في مثل هذا التشويه لمغزى الدكتوراه، تقع على المؤسسات الأكاديمية العليا، مثل الجامعة والمعاهد التطبيقية، التي لا تملك أجهزة متابعة ولا مراقبة حقيقية لمسار البحث العلمي والدراسات في كلياتها!
المثير في الأمر هنا، أن الجامعة، وعلى سبيل المثال، لا تدقق في أمور تعد جوهرية وتمس الرسالة الأكاديمية بشكل مباشر، إلا أنها تتمسك في المقابل بقوانين خارجة عن جوهر رسالتها التعليمية، ولا تصب بأي شكل من الأشكال في تميزها أو دورها الأكاديمي، أحد تلك القوانين أصبح يشكل عقبة حقيقية في وجه بعض الأساتذة المتميزين بنشاطهم البحثي ويحجب عنهم الحق في الانتساب للتعليم في الحرم الجامعي لمجرد أنهم لم يحصلوا على تقدير جيد جداً في شهادة البكالوريوس، وبغض النظر عما حققوه من تميز في شهادة الماجستير والدكتوراه.
قانون عقيم، لن يساهم على الإطلاق في تعديل مفهوم الدور المفترض من حامل الدكتوراه، ولم يتح لنا أبداً أن نتمتع بنبوغ وعطاء أساتذة من مثل البروفيسور روبنز.
