الأرشيف

دكاكين البحث العلمي

[جريدة القبس 17/4/2007]

من الأمور التي تجعلنا في مؤخرة الركب الحضاري، إهمالنا لروح البحث العلمي وأدواته! فعلى الرغم من كل الندوات والتوصيات التي تسعى لتحفيز البحث العلمي في مؤسساتنا التربوية والتعليمية، بالإضافة إلى سائر مؤسسات الدولة، فإن روح البحث لاتزال بعيدة كل البعد عن فلكنا ومدارنا! بدليل أن كل ما تبقى من مؤسساتنا ومشاريعنا البحثية لا يتجاوز التسميات اللفظية الخالية تماماً من أي رصيد جوهري ملموس! فمن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي إلى معهد الأبحاث، وأيضاً إدارات البحوث والدراسات التي لا تخلو منها وزارة ولا مؤسسة! وكلها مؤسسات وإدارات لا يتجاوز نشاطها المسميات اللفظية المعلقة على مداخلها، وفوق أوراق مراسلاتها الرسمية وعناوينها!
المدركون للمشكلة، والراغبون في دفع عجلة البحث العلمي وأدواته، يرون أنها مشكلة تعود إلى شح الإنفاق المالي!
فالعالم العربي بشكل عام ينفق نسبة ضئيلة جداً تكاد لا تذكر من دخوله على البحث العلمي! لكن ذلك قطعاً ليس هو الحقيقة في صورتها الكاملة! فبخلاف ضآلة الإنفاق، هنالك رفض مؤسسي لجوهر عملية البحث، وهنالك نبذ منظم للناشطين في مجال البحث والتنقيب، تمارسه كل مؤسسات الدولة وبلا استثناء!
لكن الطامة الكبرى في هكذا توجه تكون حين يأتي مثل هذا السلوك من مؤسسات يفترض أن تكون حاضنة للبحث وأدواته ومريديه، ومصدرة لذلك الوعي البحثي إلى كل قطاعات الدولة ومؤسساتها!
حديث الدكتور الفاضل شملان العيسى الذي نشرته جريدة القبس هو بلا شك حديث يفقأ عين المشكلة، فالدكتور شملان، الذي أعلن ومن خلال “القبس” أنه راحل عن الجامعة بسبب حالة اليأس التي يعيشها بفعل البيروقراطية التي تعرض لها أثناء ترؤسه لمركز الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، قد فتح شلالاً من الهموم الجامعية التي يتناقض وجودها مع أحد أهم أولويات التعليم بشكل عام، ناهيك عن التعليم العالي!
وأن تتكرر المشكلة ولأكثر من مرة في مركز بحثي مثل مركز الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، ومع أكثر من أستاذ وأكاديمي فإن الأمر يتطلب هنا مراجعة وبحثاً في الأسباب التي جعلت من هذا المركز بؤرة طاردة لكل الباحثين في الجامعة! خاصة مع ما ذكره الدكتور شملان من أن الجامعة وبدلاً من أن تهتم بتطوير مركز الدراسات، فإنها وضعت أمامه العراقيل ليخسر بذلك كوادر وطنية وكفاءات بفضل روح الشللية التي لم ينج منها حتى العمل البحثي والأكاديمي! مشكلة الدكتور شملان العيسى كما لخصها في حديثه، أنه لا ينتمي للتيار الديني الذي أصبح مسيطراً وبصورة هائلة على الجامعة، مؤكداً أنه تعرض إلى جملة من المضايقات لتسليم المركز إلى التيار الديني!
المشكلة كما لخصها الدكتور شملان في حديثه ليست مشكلة فردية تخصه وحده، وإنما هي قضية تمس كيان الجامعة كمؤسسة أكاديمية راعية ومحفزة للبحوث وللباحثين، وهي المشكلة التي طال أمد الانتظار للخروج بحل لها، خاصة بعد أن أصبحت الجامعة مكدسة بالموظفين حملة الشهادات العليا، الذين أعلنوا قطيعتهم مع البحوث وعناوينها بمجرد حصولهم على الإجازة العلمية!
البحث في الكويت وأدواته ورجالاته أصبح سلعة رخيصة بعد أن تخلت عنه وتجاوزت شروطه المؤسسة الراعية له، وأقصد الجامعة بكلياتها وبأساتذتها! وأصبحت دكاكين البحث العملي تطرح تسعيراتها علناً وجهاراً يرتادها الطلبة طمعاً بالدرجات، والأساتذة هياماً بالترقيات الأكاديمية، لتستمر بذلك فوضى البحث العلمي، متذرعة بتسميات مختلفة!
الدكتور شملان العيسى فتح النار في لقائه هذا على المتاجرين بالصرح الأكاديمي، ونبقى في انتظار أن تفتح الجبهة الأخرى نيرانها، لنرى من هم الواقفون على خط النار فيها، عندها سيكون الفصل بيد القلقين على مصير البحث العلمي في الكويت!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى