غير مصنف

ثلاثية الاختلاط 2-3

[جريدة القبس 19/2/2008]

مثلما وعدتك عزيزي القارئ في المقال السابق بأن أتناول تداعيات “قضية” الاختلاط من عدة جوانب، سأبدؤها من مقر عملي، وسأتناول بعضاً من مشاهداتي بصفتي أستاذة في جامعة الكويت.
حينما بدأت التدريس في جامعة الكويت، وبالتحديد في كلية التجارة التي أصبحت الآن كلية العلوم الإدارية، كانت الفصول مختلطة، لكن الطلبة كانوا يقتسمون الفصل بعفوية تامة، فتجلس الطالبات على اليمين والطلاب على يسار الفصل، وكانت متطلبات المقرر تفرض أحياناً عملاً مشتركاً وتعاوناً، خصوصاً في مادة المناقشة والحوار باللغة الإنكليزية!
في بداية الفصل، كان الطلبة من الجنسين منغلقين، متوترين، ونادراً ما كنت أجدهم متحمسين لنقاش أو حوار، ومع مرور الوقت وبفضل الاختلاط والاندماج في وحدة نقاشية متجانسة، يبدأ الحماس، وتبدأ المنافسة وتتحول العلاقة بين الطلاب والطالبات إلى علاقة ناضجة يلفها عامل التفوق والتنافس الأكاديمي، وتتلاشى من ذهن الطالب صورة الطالبة (الأنثى) لتحل محلها صورة الطالبة الزميلة التي بإمكانه أن يلتقيها من غير ظروف المكالمات المسروقة واللقاءات الخلسة، التي يدرك المطالبون بالفصل أن اللااختلاط لا يمكن أن يحد منها، ولا أن يعالج أياً من مظاهر العلاقات المنحرفة بين الجنسين، إن لم يعززها ويكرسها!
بعد الفصل المتخلف للسكاشن أو الشُّعَبْ غابت روح المنافسة، وعادت الطالبة لتشغل حيزاً في مخيلة زميلها باستثناء كونها منافسة في بيئة أكاديمية جادة! وعاد بذلك أرق الجامعة الدائم من عملية التسجيل التي غالباً ما راح ضحيتها الطلاب، لكونهم أقل عدداً، وبذلك فهم غالباً ما يدفعون ثمن فصل شعب الذكور عن الإناث، الذي لم تنجح الجامعة منذ القانون السيئ الذكر في تجاوز أضراره، سواء في المختبرات في الكليات العلمية، أو في المقررات الدراسية بشكل عام! فبحسب قانون الجامعة يشترط توافر سبعة طلاب على الأقل لفتح شعبة دراسية، ولأن عدد الطلاب أقل، فإن شعبة الذكور غالباً ما تلغى أوتوماتيكياً لعدم توافر العدد المطلوب! مثل هذه المشكلة كان يتم التعامل معها في السابق من خلال دمج الفصول القليلة العدد!
يدرك جيداً مقدمو قانون الفصل أنه قانون أجوف غير قابل للتطبيق، بل إنهم، وحين تمسهم تبعاته، سواء في تأخر أبنائهم عن التخرج، أو في إغلاق الشُّعَبْ الدراسية أمامهم، سرعان ما يتجاوزونه بشكل مضحك أحياناً، والحكايات بهذا الصدد من داخل الحرم الجامعي مليئة بتوسلات ووساطات بعض النواب والمسؤولين لاستثناء ابن أو ابنة أو قريب من شروط فصل الشُّعَبْ الدراسية، والالتفاف على قانون الاختلاط الذي تعلو أصواتهم دفاعاً عنه زوراً تحت قبة البرلمان!
أتمنى لو أن مؤيدي قانون الفصل زودوا المجتمع بحلول لأزمات الشُّعَبْ المغلقة، ولمشكلة التخرج المعلّق، وللمختبرات الطبية في كلية الطب، والطب المساعد، وللرحلات العلمية في كلية العلوم الاجتماعية، ولمختبرات اللغة، وللمشرحة في كلية الطب، ومختبرات كلية الهندسة، والعلوم، وعشرات المواقع الأكاديمية التي من الغباء بمكان القول بفصلها أو تأنيثها أو تذكيرها!
يدرك الجميع، بمن فيهم المطالبون بالفصل، أن قانون الاختلاط سياسي الجوهر، وأن الطلاب والطالبات هم ضحايا فكر متخلف ومتناقض مع الواقع والحياة الفعلية، لكنهم في المقابل يخشون مخاطر المجاهرة بمثل هذه الحقيقة، سواء سياسياً أو اجتماعياً، متناسين أن الناس قد بلغوا من الوعي ما يمكنهم من التمييز بين السياسي والوطني، فرجال السياسة من نواب ومسؤولين يفضلون الصمت على التضحية بمناصبهم وألقابهم، لكن الرجال الوطنيين، من أمثال النواب الأفاضل علي الراشد ومحمد الصقر وفيصل الشايع، كانوا ولله الحمد يرون أبعد من أنوفهم، ويسعون إلى ما هو أهم من مكتسباتهم السياسية!
وكذلك كانت الجمعية الثقافية النسائية الحاضرة دوماً في قضايا الوطن، حين استضافت ورعت ونظمت تظاهرة شعبية حاشدة ضد كل مظاهر التخلف والانغلاق والعزلة التي خلفت جمهوراً من الجامعيين المنغلقين في وجه أبسط مظاهر التواصل الواثق الخطا!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى