
مع انتهاء الامتحانات وإعلان النتائج، بدأت إعلانات البعثات الخارجية، ومعها طلبات الخريجين للالتحاق بهذه البعثات من التخصصات المختلفة.
في عام 1939 تم إرسال أول بعثة طلابية للدراسة في القاهرة، حيث تم اختيار عبدالعزيز حسين، وأحمد العدواني، ويوسف العمر، ويوسف مشاري البدر الذي لم يُكمِل دراسته في ما بعد نظراً لمواقفه السياسية المُعادية للإنكليز في مصر، ما أدى إلى اعتقاله في ما بعد وإعادته إلى الكويت.
كانت تلك البعثة قد تمّت في وقت شَهدَت الكويت فيها تنظيماً فعلياً في خطط الابتعاث، ولكن البعثة الدراسية الأولى حقاً جرت في عام 1924 حين قرر مجلس المعارف حينها إرسال أول بعثة طلابية للدراسة في العراق، قوامها ستة طلاب، سافروا عن طريق البر والتحقوا بالكلية الأعظمية في بغداد، فجرى اعتبار هذه البعثة كأول بعثة دراسية من نوعها إلى خارج الكويت، ثم توالت البعثات لتنطلق في عام 1956 أول بعثة طالبات للدراسة في القاهرة.
ثم في ما بعد تم إنشاء إدارة البعثات في وزارة التعليم العالي، التي من مهامها معادلة الدرجات العلمية، وتنظيم المنح الدراسية والمخصصات المالية، وتزويد الراغبين بقوائم الجامعات المتميزة والمُعتَمَدَة إلى آخره.
تضاعفت بلا شك أعداد المبتعثين بين تاريخ أول بعثة واليوم، وأصبحت خطط الابتعاث تُطرَح سنوياً في موقع وزارة التعليم العالي، بمعنى آخر أن عملية الابتعاث تخضع اليوم لتقييم من قِبَل متخصصين وتربويين يضعون شروطاً للابتعاث، تأتي على رأسها دائماً مكانة الجامعة أو وجهة الابتعاث أكاديمياً وتاريخياً، مع مراعاة التقييم العلمي والاعتماد الأكاديمي وأمور فنية أخرى.
لكن الأمر لا يخلو من المُنَغّصات والمشاكل، فما أصبحت تواجهه خطط الابتعاث قريب في صورته ومصدره من المشاكل التي تواجهها إدارة العلاج في الخارج، إن لم يكن أكثر خطورة، ففي حالة العلاج في الخارج يكون المُتضرّر ميزانية وزارة الصحة، وبعض المُستَحقين فعلاً للذهاب إلى الخارج للعلاج، بينما في حالة الابتعاث الأكاديمي يتضرر الجميع مستقبلاً.
الواسطة وتدخّل أصحاب النفوذ في قوائم مرضى العلاج في الخارج أديا بنا كدولة إلى تخصيص ميزانيات فلكية تجاوزت المليار دينار سنوياً كان بالإمكان استخدامها لِجَلب عدة مستشفيات تخصصية إلى هنا.
اليوم أصاب هذا الداء خطط الابتعاث الدراسي، آخرها كان في احتجاج أحد أقطاب الإسلام السياسي من جماعة الإخوان على قرار وكيلة التعليم العالي بوقف التعامل مع بعض كليات الطب في إحدى الدول العربية، نظراً لضعف درجتها الأكاديمية، وتبعه اتحاد الطلبة المحسوب على نفس الجماعة والتيار بتنظيم وقفات احتجاجية ضد حجب تلك الجامعات الضعيفة من قائمة الجامعات المُعتَمَدة لدى إدارة التعليم العالي، ومعه بدأت الأصوات المستفيدة بالارتفاع كتابة وإعلاناً تدعو على حد قولها إلى التدخل سريعاً لتصحيح المسار.
في عام 2010 تم إنشاء الجهاز الوطني للاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم، بهدف تحسين مستوى برامج مؤسسات التعليم العالي في الكويت، وتحديد مؤسسات التعليم العالي في الدول الأخرى التي يُسمَح باعتماد مؤهلات خريجيها، وذلك من خلال عمليات التقييم المستمر لتلك المؤسسات وبرامجها وفقاً لمعايير هيئات الاعتماد العالمية، وصولاً إلى ضبط جودة التعليم.
بمعنى آخر أن قرار وكيلة التعليم العالي لم يأت وفقاً لمزاج ولا لانتماء فكري أو سياسي معين، وإنما لمعايير مَدروسة ومُعتَمَدة دولياً، وعملية الاعتماد الأكاديمي ليست عملية جامدة وإنما متحركة، وتتم بشكل دوري تحت إشراف مؤسسات اعتماد دولية مُعتَرَف بها.
الاعتماد حرفياً يعني أن لدى المؤسسة المعايير المطلوبة لخريجيها للحصول على القبول في مؤسسات مرموقة أخرى للتعليم العالي أو لتحقيق أوراق اعتماد للمُمارَسَة المهنية. ووفقاً لهكذا تعريف وشروط، فقد اتّخذت وكيلة التعليم العالي قراراً بوقف الابتعاث لدى جامعات مُعيّنة لدراسة الطب بسبب إخفاقها في مطابقة تلك المعايير. لكن مزاج الإخوان السياسي والفكري رأى العكس، وهي رؤية لا تَستَند إلى أدنى المعايير الأكاديمية أو الفنية، بخلاف أن بعض الجامعات أصبحت مُنتَسبة أكاديمياً وفكرياً للحزب ولأفكاره.
