
منذ بضع سنوات تم وبشكل تعسّفي تفكيك مركز اللغات في جامعة الكويت، هذا المركز الذي تم إنشاؤه في منتصف السبعينيات ليكون رافداً أكاديمياً للجامعة، استطاع وبعد فترة أن يحتل المرتبة الثانية بين مراكز اللغات في الجامعات في الشرق الأوسط بعد مركز اللغات في الجامعة الأمريكية في بيروت، اختفى المركز بعد تفكيكه إلى وحدات تابعة للكليات المختلفة، بعد أن كان مركزاً قائماً ومستقلاً ورافداً حيوياً يُغذي كل كليات الجامعة. لم يكن القرار حينها مدعوماً بمسوغات أكاديمية أو فنية، وإنما كان قراراً برغبة لا نعلم حتى الآن من كان يقف خلفه، اليوم يتكرّر المشهد مع كلية الصحة العامة بالجامعة، والتي صَدَرَ القرار بإغلاقها نهائياً، وتقليص عدد الأقسام العلمية من 5 أقسام إلى قسم واحد ضمن كلية العلوم الطبية المساعدة، والتي لا علاقة لها بطبيعة التخصصات في كلية الصحة العامة.
القرار كما يراه الكثيرون من الأكاديميين والمتابعين للشأن الجامعي يَفتَقر إلى الحصافة الفنية لما يتعلق بإنشاء الكليات وإثراء الجامعة بالمواد والكليات التخصصية، فعلي الرغم من أن كلية الصحة العامة قد تم إنشاؤها في عام 2013 فإنها استطاعت أن ترسّخ وجودها الأكاديمي ككلية وتخصّص مُستَقل، حيث قدّمت خلال سنوات برنامج الماجستير، الذي يحظى بقبول واهتمام العديد من الموظفين والأطباء كذلك، كما أن الاستثمار في كلية الصحة العامة يعتبر استثماراً في الموارد البشرية الوطنية، وذلك بهدف إعداد كوادر مهنية متخصصة، لذلك يأتي هدم وإغلاق هذه الكلية أمراً مؤسفاً، خاصة في ظل غياب الاستشارة والتنسيق اللازمين في هذا الصدد مع الأقسام العلمية والأساتذة المتخصصين في كلية الصحة العامة، مما يعكس صورة قاتمة عن العبث والفوضى الأكاديمية والإدارية والمهنية في جامعة الكويت.
أما ما ضاعف من قتامة الصورة هنا، فهو ما ورَدَ من مخالفات رسمية من مدير الجامعة تهدّد بالتحقيق مع أساتذة الكلية، الذين يعارضون قرار ضمّها بالتصريحات أو بإصدار البيانات والتغريدات في وسائل التواصل، بالإضافة إلى تحويل طالبات إلى لجان التحقيق بشأن نشرهن تغريدات يعبّرن فيها عن رفضهن لإغلاق كلية الصحة العامة وتحويلها إلى قسم، وهو بالتحديد ما يتّفق فيه معهن بعض المراجع الطبية التي تواصلت مع الإدارة الجامعية بهدف إقناع الإدارة بالتراجع عن القرار، وذلك بناء على معطيات علمية وأكاديمية.
إذا كان ما نشرته جريدة “الجريدة” من تحقيق مُفصّل حول تعامل الإدارة الجامعية التعسّفي مع المعارضين للإغلاق، سواء كانوا طلبة أو أساتذة أو حتى متابعين للشأن الأكاديمي صحيحاً، فإن الأمر يتطلب تدخلاً سياسياً هنا لحل مشكلة أكاديمية فنية، وهو أمر قد لا يكون مُستَحَباً، فالجامعة لطالما تَمَتّعت باستقلاليتها وحرمة مواقعها، لكن ما ورد في ذلك التحقيق تجاوز الشكل الأكاديمي والفني المعهود، ودخل في معترك صراعات سياسية لا نعلم حتى اللحظة من يقف وراءها فعلياً. فلقد تداخل السياسي بالأكاديمي في هذه القضية، وبشكل استدعى من جمعية طلبة الطب الكويتية إلى إصدار بيان صحافي تستنكر فيه استدعاءات بعض الطلبة للتحقيق بسبب تعبيرهم عن آرائهم المُتَعَلّقة بسياسات وقرارات الجامعة، مُشيرين إلى أن الجامعة تميّزت عبر تاريخها بالحرية الأكاديمية والتعبير عن الآراء الفنية وتعزيز حرية الرأي، وذلك حتى لا تتحوّل جامعة الكويت إلى مؤسسة قمعية.
قضية مركز اللغات سابقاً، وقضية كلية الصحة العامة حاضراً، لن تكونا نهاية الأزمة التي أصابت جامعة الكويت، وخاصة في السنوات التي أعقبت تحرير البلاد، فلقد طغى الشق السياسي على الأهداف الأكاديمية بشكل مُفرَط، حتى أصبح التدخّل في أدق التفاصيل الفنية والأكاديمية أمراً متاحاً ومباحاً، وبشكل أدى إلى ما شهدته الجامعة من تدهور أكاديمي مخيف.
للحرم الجامعي مكانته التي يحظر على الجهات الأمنية التواجد مباشرة فيها، لذلك يأتي التعامل مع المعارضين لإغلاق كلية الصحة العامة بهذا الشكل البوليسي ليُشكّل سابقة خطيرة في مسلسل انهيار الجامعة، بعد أن اختلط فيها حابل السياسة بنابل الأكاديمية.
